الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
132
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإنما خص هذان بالذكر دون قولهم : افتراه ، أو هو مجنون ، لأن الوصف بكريم كاف في نفي أن يكون مجنونا أو كاذبا إذ ليس المجنون ولا الكاذب بكريم ، فأما الشاعر والكاهن فقد كانا معدودين عندهم من أهل الشرف . والمعنى : ما هو قول شاعر ولا قول كاهن تلقاه من أحدهما ونسبه إلى اللّه تعالى . و قَلِيلًا في قوله : قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ مراد به انتفاء ذلك من أصله على طريقة التمليح القريب من التهكم كقوله : فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [ النساء : 46 ] ، وهو أسلوب عربي ، قال ذو الرمة : أنيحت ألقت بلدة فوق بلدة * قليل بها الأصوات إلّا بغامها فإن استثناء بغام راحلته دل على أنه أراد من ( قليل ) عدم الأصوات . والمعنى : لا تؤمنون ولا تذكرون ، أي عندما تقولون هو شاعر وهو مجنون ، ولا نظر إلى إيمان من آمن منهم من بعد . وقد تقدم في سورة البقرة [ 88 ] قوله : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ . وانتصب قَلِيلًا في الموضعين على الصفة لمصدر محذوف يدل عليه تُؤْمِنُونَ و تَذَكَّرُونَ أي تؤمنون إيمانا قليلا ، وتذكّرون تذكرا قليلا . و ما مزيدة للتأكيد كقول حاتم الطائي : قليلا به ما يحمدنّك وارث * إذا نال مما كنت تجمع مغنما وجملتا قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ معترضتان ، أي انتفى أن يكون قول شاعر ، وانتفى أن يكون قول كاهن ، وهذا الانتفاء لا يحصّل إيمانكم ولا تذكركم لأنكم أهل عناد . وقرأ الجمهور ما تُؤْمِنُونَ ، و ما تَذَكَّرُونَ كليهما بالمثناة الفوقية ، وقرأهما ابن كثير وهشام عن ابن عامر ( واختلف الرواة عن ابن ذكوان عن ابن عامر ) ويعقوب بالياء التحتية على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، وحسّن ذلك كونهما معترضتين . وأوثر نفي الإيمان عنهم في جانب انتفاء أن يكون قول شاعر ، ونفي التذكّر في جانب انتفاء أن يكون قول كاهن ، لأن نفي كون القرآن قول شاعر بديهي إذ ليس فيه ما يشبه الشعر من اتزان أجزائه في المتحرك والساكن والتقفية المتماثلة في جميع أواخر