الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
13
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمعنى : أنه خلق الموت والحياة ليكون منكم أحياء يعلمون الصالحات والسيئات ، ثم أمواتا يخلصون إلى يوم الجزاء فيجزون على أعمالهم بما يناسبها . فالتعريف في الْمَوْتَ و وَالْحَياةَ تعريف الجنس . وفي الكلام تقدير : هو الذي خلق الموت والحياة لتحيوا فيبلوكم أيكم أحسن عملا ، وتموتوا فتجزوا على حسب تلك البلوى ، ولكون هذا هو المقصود الأهم من هذا الكلام قدم الموت على الحياة . وجملة لِيَبْلُوَكُمْ إلى آخرها معترضة بين الموصولين . واللام في لِيَبْلُوَكُمْ لام التعليل ، أي في خلق الموت والحياة حكمة أن يبلوكم . إلخ . وتعليل فعل بعلة لا يقتضي انحصار علله في العلة المذكورة فإن الفعل الواحد تكون له علل متعددة فيذكر منها ما يستدعيه المقام ، فقوله تعالى : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا تعليل لفعل خَلَقَ باعتبار المعطوف على مفعوله ، وهو وَالْحَياةَ لأن حياة الإنسان حياة خاصة تصحح للموصوف بمن قامت به الإدراك الخاص الذي يندفع به إلى العمل باختياره ، وذلك العمل هو الذي يوصف بالحسن والقبح ، وهو ما دل عليه بالمنطوق والمفهوم قوله تعالى : أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي وأيكم أقبح عملا . ولذلك فذكر خلق الموت إتمام للاستدلال على دقيق الصنع الإلهي وهو المسوق له الكلام ، وذكر خلق الحياة إدماج للتذكير ، وهو من أغراض السورة . ولا أشك في أن بناء هذا العالم على ناموس الموت والحياة له حكمة عظيمة يعسر على الأفهام الاطلاع عليها . والبلوى : الاختبار وهي هنا مستعارة للعلم ، أي ليعلم علم ظهور أو مستعارة لإظهار الأمر الخفي ، فجعل إظهار الشيء الخفي شبيها بالاختبار . وجملة أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا مرتبطة ب لِيَبْلُوَكُمْ . و ( أيّ ) اسم استفهام ورفعه يعيّن أنه مبتدأ وأنه غير معمول للفظ قبله فوجب بيان موقع هذه الجملة ، وفيه وجهان : أحدهما قول الفراء والزجاج والزمخشري في تفسير أول سورة هود أن جملة الاستفهام سادة مسدّ المفعول الثاني ، وأن فعل يبلوكم المضمن معنى ( يعلمكم ) معلق