الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
105
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ [ الحاقة : 4 ] ، والواو اعتراضية . ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على جملة مَا الْحَاقَّةُ . و ما الثانية استفهامية ، والاستفهام بها مكنّى به عن تعذر إحاطة علم الناس بكنه الحاقّة لأن الشيء الخارج عن الحد المألوف لا يتصور بسهولة فمن شأنه أن يتساءل عن فهمه . والخطاب في قوله : وَما أَدْراكَ لغير معيّن . والمعنى : الحاقة أمر عظيم لا تدركون كنهه . وتركيب « ما أدراك كذا » مما جرى مجرى المثل فلا يغير عن هذا اللفظ وهو تركيب مركب من ما الاستفهامية وفعل ( أدرى ) الذي يتعدى بهمزة التعدية إلى ثلاثة مفاعيل من باب أعلم وأرى ، فصار فاعل فعله المجرد وهو ( درى ) مفعولا أول بسبب التعدية . وقد علق فعل أَدْراكَ عن نصب مفعولين ب ما الاستفهامية الثانية في قوله : مَا الْحَاقَّةُ . وأصل الكلام قبل التركيب بالاستفهام أن تقول : أدركت الحاقّة أمرا عظيما ، ثم صار أدركني فلان الحاقّة أمرا عظيما . و مَا الأولى استفهامية مستعملة في التهويل والتعظيم على طريقة المجاز المرسل في الحرف ، لأن الأمر العظيم من شأنه أن يستفهم عنه فصار التعظيم والاستفهام متلازمين . ولك أن تجعل الاستفهام إنكاريا ، أي لا يدري أحد كنه هذا الأمر . والمقصود من ذلك على كلا الاعتبارين هو التهويل . هذا السؤال كما تقول : علمت هل يسافر فلان . و ما الثالثة علقت فعل أَدْراكَ عن العمل في مفعولين . وكاف الخطاب فيه خطاب لغير معين فلذلك لا يقترن بضمير تثنية أو جمع أو تأنيث إذا خوطب به غير المفرد المذكر . واستعمال ما أَدْراكَ غير استعمال ما يُدْرِيكَ في قوله تعالى : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً [ الأحزاب : 63 ] وقوله : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ في سورة الشورى [ 17 ] . روي عن ابن عباس : « كل شيء من القرآن من قوله : ما أَدْراكَ فقد أدراه وكل