الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

93

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والباء للسببية والمجرور خبر عن اسم الإشارة ، أي سبب ذلك المذكور وهو انتفاء فقاهتهم . وإقحام لفظ قَوْمٌ لما يؤذن به من أن عدم فقه أنفسهم أمر عرفوا به جميعا وصار من مقومات قوميتهم لا يخلو عنه أحد منهم ، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إلى قوله : لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ في سورة البقرة [ 164 ] . والفقه : فهم المعاني الخفية ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً في سورة النساء [ 78 ] ، وقوله : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ في سورة الأنعام [ 65 ] ، ذلك أنهم تبعوا دواعي الخوف المشاهد وذهلوا عن الخوف المغيب عن أبصارهم ، وهو خوف اللّه فكان ذلك من قلة فهمهم للخفيّات . [ 14 ] [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 14 ] لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 14 ) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ . هذه الجملة بدل اشتمال من جملة لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ [ الحشر : 13 ] ، لأن شدة الرهبة من المسلمين تشتمل على شدة التحصّن لقتالهم إياهم ، أي لا يقدرون على قتالكم إلّا في هاته الأحوال والضمير المرفوع في يُقاتِلُونَكُمْ عائد إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ [ الحشر : 11 ] . وقوله : جَمِيعاً يجوز أن يكون بمعنى كلهم كقوله تعالى : إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً [ المائدة : 48 ] فيكون للشمول ، أي كلهم لا يقاتلونكم اليهود والمنافقون إلا في قرى محصّنة إلخ . ويجوز أن يكون بمعنى مجتمعين ، أي لا يقاتلونكم جيوشا كشأن جيوش المتحالفين فإن ذلك قتال من لا يقيمون في قراهم فيكون النفي منصّبا إلى هذا القيد ، أي لا يجتمعون على قتالكم اجتماع الجيوش ، أي لا يهاجمونكم ولكن يقاتلون قتال دفاع في قراهم . واستثناء إِلَّا فِي قُرىً على الوجه الأول في جَمِيعاً استثناء حقيقي من عموم الأحوال ، أي لا يقاتلونكم كلهم في حال من الأحوال إلا في حال الكون في قرى محصّنة