الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
89
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الذين بعثوا إليهم من بني عوف من عرب المدينة وأصلهم من الأزد . وفي وصف إخوانهم ب الَّذِينَ كَفَرُوا إيماء إلى أن جانب الأخوة بينهم هو الكفر إلا أن كفر المنافقين كفر الشرك وكفر إخوانهم كفر أهل الكتاب وهو الكفر برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلّم . ولام لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ موطئة للقسم ، أي قالوا لهم كلاما مؤكدا بالقسم . وإنما وعدوهم بالخروج معهم ليطمئنّوا لنصرتهم فهو كناية عن النصر وإلّا فإنهم لا يرضون أن يفارقوا بلادهم . وجملة وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً معطوفة على جملة لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ فهي من المقول لا من المقسم عليه ، وقد أعريت عن المؤكد لأن بني النضير يعلمون أن المنافقين لا يطيعون الرسول صلى اللّه عليه وسلّم والمسلمين فكان المنافقون في غنية عن تحقيق هذا الخبر . ومعنى فِيكُمْ في شأنكم ، ويعرف هذا بقرينة المقام ، أي في ضركم إذ لا يخطر بالبال أنهم لا يطيعون من يدعوهم إلى موالاة إخوانهم ، ويقدر المضاف في مثل هذا بما يناسب المقام . ونظيره قوله تعالى : فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ ، [ المائدة : 52 ] أي في الموالاة لهم . ومعنى لَنَنْصُرَنَّكُمْ لنعيننكم في القتال . والنصر يطلق على الإعانة على المعادي . وقد أعلم اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلّم بأنهم كاذبون في ذلك بعد ما أعلمه بما أقسموا عليه تطمينا لخاطره لأن الآية نزلت بعد إجلاء بني النضير وقبل غزو قريظة لئلا يتوجس الرسول صلى اللّه عليه وسلّم خيفة من بأس المنافقين ، وسمى اللّه الخبر شهادة لأنه خبر عن يقين بمنزلة الشهادة التي لا يتجازف المخبر في شأنها . [ 12 ] [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 12 ] لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 12 ) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ . بيان لجملة وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الحشر : 11 ] . واللام موطئة للقسم وهذا تأكيد من اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلّم أنهم لن يضرّوه شيئا لكيلا يعبأ بما بلغه من مقالتهم .