الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

75

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقال جمع : هذه الآية نسخت آية الأنفال . وقال قتادة : كانت الغنائم في صدر الإسلام لهؤلاء الأصناف الخمسة ثم نسخ ذلك بآية الأنفال ، وبذلك قال زيد بن رومان : قال القرطبي ونحوه عن مالك اه . على أن سورة الأنفال سابقة في النزول على سورة الحشر لأن الأنفال نزلت في غنائم بدر وسورة الحشر نزلت بعدها بسنتين . إلا أن يقول قائل : إن آية الأنفال نزلت بعد آية الحشر تجديدا لما شرعه اللّه من التخميس في غنائم بدر ، أي فتكون آية الحشر ناسخة لما فعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في قسمة مغانم بدر ، ثم نسخت آية الأنفال آية الحشر . فيكون إلحاقها بسورة الأنفال بتوقيف من النبي صلى اللّه عليه وسلّم . وقال القرطبي : قيل إن سورة الحشر نزلت بعد الأنفال ، واتفقوا على أن تخميس الغنائم هو الذي استقر عليه العمل ، أي بفعل النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، وبالإجماع . وليس يبعد عندي أن تكون القرى التي عنتها آية الحشر فتحت بحالة مترددة بين مجرد الفيء وبين الغنيمة ، فشرع لها حكم خاص بها ، وإذ قد كانت حالتها غير منضبطة تعذر أن نقيس عليها ونسخ حكمها واستقرّ الأمر على انحصار الفتوح في حالتين : حالة الفيء المجرد وما ليس مجرد فيء . وسقط حكم آية الحشر بالنسخ أو بالإجماع . والإجماع على مخالفة حكم النص يعتبر ناسخا لأنه يتضمن ناسخا . وعن معمر أنه قال : بلغني أن هذه الآية - أي آية ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى - نزلت في أرض الخراج والجزية . ومن العلماء من حملها على أرض الكفار إذا أخذت عنوة مثل سواد العراق دون ما كان من أموالهم غير أرض . كل ذلك من الحيرة في الجمع بين هذه الآية وآية سورة الأنفال مع أنها متقدمة على هذه مع ما روي عن عمر في قضية حكمه بين العباس وعلي ، ومع ما فعله عمر في سواد العراق ، وقد عرفت موقع كل . وستعرف وجه ما فعله عمر في سواد العراق عند الكلام على قوله تعالى : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [ الحشر : 10 ] . ومن العلماء من جعل محمل هذه الآية على الغنائم كلها بناء على تفسيرهم الفيء بما يرادف الغنيمة . وزعموا أنها منسوخة بآية الأنفال . وتقدم ما هو المراد من ذكر اسم اللّه تعالى في عداد من لهم المغانم والفيء والأصناف المذكورة في هذه الآية تقدم بيانها في سورة الأنفال . و كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً إلخ تعليل لما اقتضاه لام التمليك من جعله ملكا لأصناف كثيرة الأفراد ، أي جعلناه مقسوما على هؤلاء لأجل أن لا يكون الفيء دولة بين الأغنياء