الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

68

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

النضير ونكايتهم ، وأمسك بعض الجيش عن قطع النخيل وقالوا : لا تقطعوا مما أفاء اللّه علينا . وقد ذكر أن النخلات التي قطعت ست نخلات أو نخلتان . فقالت اليهود : يا محمد ألست تزعم أنك نبي تريد الصلاح أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر ، وهل وجدت فيما أنزل عليك إباحة الفساد في الأرض فأنزل اللّه هذه الآية . والمعنى : أن ما قطعوا من النخل أريد به مصلحة إلجاء العدوّ إلى الاستسلام وإلقاء الرعب في قلوبهم وإذلالهم بأن يروا أكرم أموالهم عرضة للإتلاف بأيدي المسلمين ، وأن ما أبقي لم يقطع في بقائه مصلحة لأنه آيل إلى المسلمين فيما أفاء اللّه عليهم فكان في كلا القطع والإبقاء مصلحة فتعارض المصلحتان فكان حكم اللّه تخيير المسلمين . والتصرف في وجوه المصالح يكون تابعا لاختلاف الأحوال ، فجعل اللّه القطع والإبقاء كليهما بإذنه ، أي مرضيا عنده ، فأطلق الإذن على الرضى على سبيل الكناية ، أو أطلق إذن اللّه على إذن رسوله صلى اللّه عليه وسلّم إن ثبت أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أذن بذلك ابتداء ، ثم أمر بالكف عنه . وكلام الأئمة غير واضح في إذن النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيه ابتداء وأظهر أقوالهم قول مجاهد : إن القطع والامتناع منه كان اختلافا بين المسلمين ، وأن الآية نزلت بتصديق من نهي عن قطعه ، وتحليل من قطعه من الإثم . وفي ذلك قال حسان بن ثابت يتورك على المشركين بمكة إذ غلب المسلمون بني النضير أحلافهم ويتورك على بني النضير إذ لم ينصرهم أحلافهم المشركون من قريش : تفاقد معشر نصروا قريشا * وليس لهم ببلدتهم نصير وهان على سراة بني لؤيّ * حريق بالبويرة مستطير يريد سراة أهل مكة وكلهم من بني لؤيّ بن غالب بن فهر ، وفهر هو قريش أي لم ينقذوا أحلافهم لهوانهم عليهم . وأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو يومئذ مشرك : آدام اللّه ذلك من صنيع * وحرّق في نواحيها السعير ستعلم أيّنا منها بنزه * وتعلم أيّ أرضينا تضير يريد أن التحريق وقع بنواحي مدينتكم فلا يضير إلا أرضكم ولا يضير أرضنا ، فقوله : أدام اللّه ذلك من صنيع ، تهكم . ومن هذه الآية أخذ المحققون من الفقهاء أن تحريق دار العدوّ وتخريبها وقطع