الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
42
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
نزلت هذه الآية عقب التي قبلها : والمشهور عند جمع من سلف المفسرين أنها نزلت بعد عشرة أيام من التي قبلها . وذلك أن بعض المسلمين القادرين على تقديم الصدقة قبل النجوى شق عليهم ذلك فأمسكوا عن مناجاة النبي صلى اللّه عليه وسلّم فأسقط اللّه وجوب هذه الصدقة ، وقد قيل : لم يعمل بهذه الآية غير علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه . ولعل غيره لم يحتج إلى نجوى الرسول صلى اللّه عليه وسلّم واقتصد مما كان يناجيه لأدنى موجب . فالخطاب لطائفة من المؤمنين قادرين على تقديم الصدقة قبل المناجاة وشقّ عليهم ذلك أو ثقل عليهم . والإشفاق توقع حصول ما لا يبتغيه ومفعول أَ أَشْفَقْتُمْ هو أَنْ تُقَدِّمُوا أي من أن تقدموا ، أي أأشفقتم عاقبة ذلك وهو الفقر . قال المفسرون على أن هذه الآية ناسخة للتي قبلها فسقط وجوب تقديم الصدقة لمن يريد مناجاة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وروي ذلك عن ابن عباس واستبعده ابن عطية . والاستفهام مستعمل في اللوم على تجهم تلك الصدقة مع ما فيها من فوائد لنفع الفقراء . ثم تجاوز اللّه عنهم رحمة بهم بقوله تعالى : فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ الآية . وقد علم من الاستفهام التوبيخي أي بعضا لم يفعل ذلك . و ( إذ ) ظرفية مفيدة للتعليل ، أي فحين لم تفعلوا فأقيموا الصلاة . وفاء فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا لتفريع ما بعدها على الاستفهام التوبيخي . وجملة وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ معترضة ، والواو اعتراضية . وما تتعلق به ( إذ ) محذوف دل عليه قوله : وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ تقديره : خففنا عنكم وأعفيناكم من أن تقدموا صدقة قبل مناجاة الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . وفاء فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ عاطفة على الكلام المقدر وحافظوا على التكاليف الأخرى وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة اللّه ورسوله . أي فذلك لا تسامح فيه ، قيل لهم ذلك لئلا يحسبوا أنهم كلما ثقل عليهم فعل مما كلفوا به يعفون منه . وإذ قد كانت الزكاة المفروضة سابقة على الأمر بصدقة النجوى على الأصح كان فعل آتُوا مستعملا في طلب الدوام مثل فعل فَأَقِيمُوا . واعلم أنه يكثر وقوع الفاء بعد ( إذ ) ومتعلّقها كقوله تعالى : وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ