الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

40

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لما نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً قال لي النبي صلى اللّه عليه وسلّم « ما ترى دينارا ؟ قلت : لا يطيقونه ، قال فنصف دينار ؟ قلت : لا يطيقونه . قال : فكم ؟ قلت : شعيرة » قال الترمذي : أي وزن شعيرة من ذهب . قال : إنك لزهيد فنزلت : أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ [ المجادلة : 13 ] الآية . قال : « فبي خفف اللّه عن هذه الأمة » . قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، إنما نعرفه من هذا الوجه اه . قلت : علي بن علقمة الأنماري قال البخاري : في حديثه نظر ، ووثقه ابن حبان . وقال ابن الفرس : صححوا عن علي أنه قال : « ما عمل بها أحد غيري » . وساق حديثا . ومحمل قول علي « فبي خفف اللّه عن هذه الأمة » ، أنه أراد التخفيف في مقدار الصدقة من دينار إلى زنة شعيرة من ذهب وهي جزء من اثنين وسبعين جزءا من أجزاء الدينار . وفعل ناجَيْتُمُ مستعمل في معنى إرادة الفعل كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [ المائدة : 6 ] الآية . وقوله تعالى : فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ [ النحل : 98 ] . والقرينة قوله : فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ . والجمهور على أن الأمر في قوله : فَقَدِّمُوا للوجوب ، واختاره الفخر ورجحه بأنه الأصل في صيغة الأمر ، وبقوله : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فإن ذلك لا يقال إلا فيما بفقده يزول الوجوب . ويناسب أن يكون هذا هو قول من قال : إن هذه الصدقة نسخت بفرض الزكاة ، وهو عن ابن عباس . وقال فريق : الأمر للندب وهو يناسب قول من قال : إن فرض الزكاة كان سابقا على نزول هذه الآية فإن شرع الزكاة أبطل كلّ حقّ كان واجبا في المال . و بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ معناه : قبل نجواكم بقليل ، وهي استعارة تمثيلية جرت مجرى المثل للقرب من الشيء قبيل الوصول إليه . شبهت هيئة قرب الشيء من آخر بهيئة وصول الشخص بين يدي من يرد هو عليه تشبيه معقول بمحسوس . ويستعمل في قرب الزمان بتشبيه الزمان بالمكان كما هنا وهو كقوله تعالى : يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ . وقد تقدم في سورة البقرة [ 255 ] . والإشارة ب ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ إلى التقديم المفهوم من « قدموا » على طريقة قوله :