الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
337
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والخيانة والخون ضد الأمانة وضد الوفاء ، وذلك تفريط المرء ما اؤتمن عليه وما عهد به إليه . وقد جمعها قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ الأنفال : 27 ] . وانتصب شَيْئاً على المفعولية المطلقة ل يُغْنِيا لأن المعنى شيئا من الغنى ، وتنكير شَيْئاً للتحقير ، أي أقل غنى وأجحفه بله الغنى المهم ، وتقدم في قوله تعالى : إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً في سورة الجاثية [ 19 ] . وزيادة مَعَ الدَّاخِلِينَ لإفادة مساواتهما في العذاب لغيرهما من الكفرة الخونة . وذلك تأييس لهما من أن ينتفعا بشيء من حظوة زوجيهما كقوله تعالى : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [ الأنعام : 22 ] . [ 11 ] [ سورة التحريم ( 66 ) : آية 11 ] وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 11 ) لما ضرب المثل لِلَّذِينَ كَفَرُوا [ الممتحنة : 10 ] أعقب بضرب مثل للذين آمنوا لتحصل المقابلة فيتضح مقصود المثلين معا ، وجريا على عادة القرآن في اتباع الترهيب بالترغيب . وجعل المثل للذين آمنوا بحال امرأتين لتحصل المقابلة للمثلين السابقين ، فهذا من مراعاة النظير في المثلين . وجاء أحد المثلين للذين آمنوا مثلا لإخلاص الإيمان . والمثل الثاني لشدة التقوى . فكانت امرأة فرعون مثلا لمتانة إيمان المؤمنين ومريم مثلا للقانتين لأن المؤمنين تبرءوا من ذوي قرابتهم الذين بقوا على الكفر بمكة . وامرأة فرعون هذه هي امرأة فرعون الذي أرسل إليه موسى وهو منفط الثالث وليست امرأة فرعون التي تبنت موسى حين التقطته من اليمّ ، لأن ذلك وقع في زمن فرعون رعمسيس الثاني وكان بين الزمنين ثمانون سنة . ولم يكن عندهم علم بدين قبل أن يرسل إليهم موسى . ولعل امرأة فرعون هذه كانت من بنات إسرائيل تزوجها فرعون فكانت مؤمنة برسالة موسى عليه السلام . وقد حكى بعض المفسرين أنها عمة موسى ، أو تكون هداها اللّه إلى الإيمان بموسى كما هدى الرجل المؤمن من آل فرعون الذي تقدم ذكره في سورة غافر .