الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
300
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فَحاسَبْناها ، و عَذَّبْناها بصيغة الماضي . والمعنى : فجازيناها على عتوّها جزاء يكافئ طغيانها . والعذاب النكر : هو عذاب الاستئصال بالغرق ، والخسف ، والرجم ، ونحو ذلك . وعطف العذاب على الحساب مؤذن بأنه غيره ، فالحساب فيما لقوه قبل الاستئصال من المخوفات وأشراط الإنذار مثل القحط والوباء والعذاب هو ما توعدوا به . ولك أن تجعل الحساب على حقيقته ويراد به حساب الآخرة . وشدته قوة المناقشة فيه والانتهار على كل سيئة يحاسبون عليها . والعذاب : عذاب جهنم ، ويكون الفعل الماضي مستعملا في معنى المستقبل تشبيها للمستقبل بالماضي في تحقق وقوعه مثل قوله : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] ، وقوله : وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ [ الأعراف : 44 ] . والنكر بضمتين ، وبضم فسكون : ما ينكره الرأي من فظاعة كيفيته إنكارا شديدا . وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ويعقوب نُكْراً بضمتين . وقرأه الباقون بسكون الكاف . وتقدم في سورة الكهف . والفاء في قوله : فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها لتفريع فَحاسَبْناها وَعَذَّبْناها . والذّوق : هنا الإحساس مطلقا ، وهو مجاز مرسل . والوبيل : صفة مشبهة . يقال : وبل ( بالضم ) : المرعى ، إذا كان كلأه وخيما ضارا لما يرعاه . والأمر : الحال والشأن ، وإضافة الوبال إلى الأمر من إضافة المسبب إلى السبب ، أي ذاقوا الوبال الذي تسبب لهم فيه أمرهم وشأنهم الذي كانوا عليه . وعاقبة الأمر : آخره وأثره . وهو يشمل العاقبة في الدنيا والآخرة كما دل عليه قوله : أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً . وشبهت عاقبتهم السّوأى بخسارة التاجر في بيعه في أنهم لما عتوا حسبوا أنهم أرضوا أنفسهم بإعراضهم عن الرسل وانتصروا عليهم فلما لبثوا أن صاروا بمذلة وكما يخسر التاجر في تجره .