الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
298
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الكلام خبر مستعمل في بعث الترجّي وطرح اليأس عن المعسر من ذوي العيال . ومعناه : عسى أن يجعل اللّه بعد عسركم يسرا لكم فإن اللّه يجعل بعد عسر يسرا . وهذا الخبر لا يقتضي إلا أنّ من تصرفات اللّه أن يجعل بعد عسر قوم يسرا لهم ، فمن كان في عسر رجا أن يكون ممن يشمله فضل اللّه ، فيبدل عسره باليسر . وليس في هذا الخبر وعد لكل معسر بأن يصير عسره يسرا . وقد يكون في المشاهدة ما يخالف ذلك فلا فائدة في التكلف بأن هذا وعد من اللّه للمسلمين الموحدين يومئذ بأن اللّه سيبدل عسرهم باليسر ، أو وعد للمنفقين الذين يمتثلون لأمر اللّه ولا يشحّون بشيء مما يسعه مالهم . وانظر قوله تعالى : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [ الشرح : 5 ] . ومن بلاغة القرآن الإتيان ب ( عسر ويسرا ) نكرتين غير معرفين باللام لئلا يتوهم من التعريف معنى الاستغراق كما في قوله : فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً . [ 8 - 11 ] [ سورة الطلاق ( 65 ) : الآيات 8 إلى 11 ] وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً ( 8 ) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً ( 9 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً ( 10 ) رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً ( 11 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً ( 8 ) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً ( 9 ) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً . لما شرعت للمسلمين أحكام كثيرة من الطلاق ولواحقه ، وكانت كلها تكاليف قد تحجم بعض الأنفس عن إيفاء حق الامتثال لها تكاسلا أو تقصيرا رغّب في الامتثال لها بقوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً [ الطلاق : 2 ] وقوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [ الطلاق : 4 ] ، وقوله : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً [ الطلاق : 5 ] وقوله : سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً [ الطلاق : 7 ] . وحذر اللّه الناس في خلال ذلك من مخالفتها بقوله : وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [ الطلاق : 1 ] ، وقوله : ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ الطلاق : 2 ] أعقبها بتحذير عظيم من الوقوع في مخالفة أحكام اللّه ورسله لقلة العناية