الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

292

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

خاص بالمعتدّات الحوامل فإنه ينافي قوله تعالى : لا تُخْرِجُوهُنَّ [ الطلاق : 1 ] فتعين عود الضمير إلى النساء المطلقات كلّهن ، وبذلك يشمل المطلقة الرجعية والبائنة والحامل ، لما علمته في أول السورة من إرادة الرجعية والبائنة من لفظ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [ الطلاق : 1 ] . وجمهور أهل العلم قائلون بوجوب السكنى لهن جميعا . قال أشهب : قال مالك : يخرج عنها إذا طلقها وتبقى هي في المنزل . وروى ابن نافع قال مالك : فأما التي لم تبن فإنها زوجة يتوارثان والسكنى لهن لازمة لأزواجهن اه . يريد أنها مستغنى عن أخذ حكم سكناها من هذه الآية . ولا يريد أنها مستثناة من حكم الآية . وقال قتادة وابن أبي ليلى وإسحاق وأبو ثور وأحمد بن حنبل : لا سكنى للمطلقة طلاقا بائنا . ومتمسكهم في ذلك ما روته فاطمة بنت قيس : أن زوجها طلقها ثلاثا وأن أخا زوجها منعها من السكنى والنفقة ، وأنها رفعت أمرها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقال لها : « إنما السكنى والنفقة على من له عليها الرجعة » . وهو حديث غريب لم يعرفه أحد إلا من رواية فاطمة بنت قيس . ولم يقبله عمر بن الخطاب فقال : لا نترك كتاب اللّه وسنة نبيئنا لقول امرأة لا ندري لعلها نسيت أو شبّه عليها . وأنكرته عائشة على فاطمة بنت قيس فيما ذكرته من أنه أذن لها في الانتقال إلى مكان غير الذي طلقت فيه كما تقدم . و روي أن عمر « روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أن للمطلقة البائنة سكنى » « 1 » . ورووا أن قتادة وابن أبي ليلى أخذا بقوله تعالى : لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [ الطلاق : 1 ] إذ الأمر هو المراجعة ، فقصرا الطلاق في قوله : إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [ الطلاق : 1 ] ، على الطلاق الرجعي لأن البائن لا تترقب بعده مراجعة وسبقها إلى هذا المأخذ فاطمة بنت قيس المذكورة . روى مسلم أن مروان بن الحكم أرسل إلى فاطمة بنت قيس يسألها عن الحديث فحدثته فقال مروان : لم نسمع هذا الحديث إلا من المرأة سنأخذ بالعصمة التي وجدنا عليها الناس فبلغ قول مروان فاطمة بنت قيس فقالت : « بيني وبينكم القرآن ، قال اللّه عزّ وجل : لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ، إلى قوله : لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [ الطلاق : 1 ] قالت : هذا لمن كانت له رجعة فأي أمر يحدث بعد الثلاث » اه . ويرد على ذلك أن إحداث الأمر ليس قاصرا على المراجعة فإن من الأمر الذي يحدثه اللّه أن يرقق قلوبهما فيرغبا معا في إعادة المعاشرة بعقد جديد . وعلى تسليم اقتصار

--> ( 1 ) هكذا يروي المفسرون عن عمر : أنه سمع من النبي صلى اللّه عليه وسلّم ذلك ولم أقف عليه مسندا .