الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

286

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الذي في الآية . وقال النخعي وسفيان الثوري وأبو حنيفة والشافعي : تعتد المرتاب في يأسها بالأقراء ( أي تنتظر الدم إلى أن تبلغ سن من لا يشبه أن تحيض ولو زادت مدة انتظارها على تسعة أشهر ) . فإذا بلغت سن اليأس دون ريبة اعتدّت بثلاثة أشهر من يومئذ . ونحن نتأول له بأن تقدير الكلام : فعدتهن ثلاثة أشهر ، أي بعد زوال الارتياب كما سنذكره ، وهو مع ذلك يقتضي أن هذه الثلاثة الأشهر بعد مضي تسعة أشهر أو بعد مضي مدة تبلغ بها سن من لا يشبه أن تحيض تعبد ، لأن انتفاء الحمل قد اتضح وانتظار المراجعة قد امتدّ . إلا أن نعتذر لهم بأن مدة الانتظار لا يتحفز في خلالها المطلّق للرأي في أمر المراجعة لأنه في سعة الانتظار فيزاد في المدة لأجل ذلك ، وفي « تفسير القرطبي » : « قال عكرمة وقتادة : من الريبة المرأة المستحاضة التي لا يستقيم لها الحيض تحيض في أول الشهر مرارا ، وفي الأشهر مرة ( أي بدون انضباط ) » اه . ونقل الطبري مثل هذا الكلام عن الزهري وابن زيد ، فيجب أن يصار إلى هذا الوجه في تفسير الآية . والمرأة إذا قاربت وقت اليأس لا ينقطع عنها المحيض دفعة واحدة بل تبقى عدة أشهر ينتابها الحيض غبّا بدون انتظام ثم ينقطع تماما . وقوله تعالى : وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ عطف على وَاللَّائِي يَئِسْنَ والتقدير : عدتهن ثلاثة أشهر . ويحسن الوقف على قوله : فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ . وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ . معطوفة على جملة وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ فهي إتمام لأحوال العدة المجمل في قوله تعالى : وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ [ الطلاق : 1 ] وتقدير الكلام : وأولات الأحمال منهن ، أي من المطلقات أجلهن أن يضعن حملهن . فحصل بهذه الآية مع التي قبلها تفصيل لأحوال المطلقات وحصل أيضا منها بيان لإجمال الآية التي في سورة البقرة . وَأُولاتُ اسم جمع لذات بمعنى : صاحبة . وذات : مؤنث ذو ، بمعنى : صاحب . ولا مفرد ل أُولاتُ من لفظه كما لا مفرد للفظ ( أولو ) و أُولاتُ مثل ذوات كما أن أولو مثل ذوو . ويكتب أُولاتُ بواو بعد الهمزة في الرسم تبعا لكتابة لفظ ( أولو ) بواو بعد الهمزة لقصد التفرقة في الرسم بين أولي في حالة النصب والجر وبين حرف ( إلى ) . وليتهم قصروا كتابته بواو بعد الهمزة على لفظ أولي المذكر المنصوب أو