الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
253
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
واسم الجلالة مبتدأ وجملة : اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر . وهذا تذكير للمؤمنين بما يعلمونه . أي من آمن بأن اللّه لا إله إلا هو كان حقا عليه أن يطيعه وأن لا يعبأ بما يصيبه في جانب طاعة اللّه من مصائب وأذى كما قال حبيب بن عدي : لست أبالي حين أقتل مسلما * على أيّ جنب كان للّه مصرعي ويجوز أن تكون جملة اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ في موقع العلة لجملة وَأَطِيعُوا اللَّهَ [ التغابن : 12 ] وتفيد أيضا تعليل جملة وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ التغابن : 12 ] لأن طاعة الرسول ترجع إلى طاعة اللّه قال تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [ النساء : 80 ] . وافتتاح الجملة باسم الجلالة إظهار في مقام الإضمار إذ لم يقل هو لا إله إلّا هو لاستحضار عظمة اللّه تعالى بما يحويه اسم الجلالة من معاني الكمال ، ولتكون الجملة مستقلة بنفسها فتكون جارية مجرى الأمثال والكلم الجوامع . وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ . عطف على وَأَطِيعُوا اللَّهَ فهو في معنى : وتوكلوا على اللّه ، فإن المؤمنين يتوكلون على اللّه لا على غيره وأنتم مؤمنون فتوكلوا عليه . وتقدم المجرور لإفادة الاختصاص ، أي أن المؤمنين لا يتوكلون إلا على اللّه . وجيء في ذلك بصيغة أمر المؤمنين بالتوكل على اللّه دون غيره ربطا على قلوبهم وتثبيتا لنفوسهم كيلا يأسفوا من إعراض المشركين وما يصيبهم منهم وأن ذلك لن يضرهم . فإن المؤمنين لا يعتزّون بهم ولا يتقوون بأمثالهم ، لأن اللّه أمرهم أن لا يتوكلوا إلا عليه ، وفيه إيذان بأنهم يخالفون أمر اللّه وذلك يغيظ الكافرين . والإتيان باسم الجلالة في قوله : وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ إظهار في مقام الإضمار لتكون الجملة مستقلة فتسير مسرى المثل ، ولذلك كان إظهار لفظ الْمُؤْمِنُونَ ولم يقل : وعلى اللّه فليتوكلوا ، ولما في الْمُؤْمِنُونَ من العموم الشامل للمخاطبين وغيرهم ليكون معنى التمثيل . [ 14 ] [ سورة التغابن ( 64 ) : آية 14 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) إقبال على خطاب المؤمنين بما يفيدهم كمالا ويجنبهم ما يفتنهم .