الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
245
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإنما جعل الإيمان بصدق القرآن داخلا في حيّز فاء التفريع لأن ما قبل الفاء تضمن أنهم كذبوا بالقرآن من قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَ بَشَرٌ يَهْدُونَنا [ التغابن : 6 ] كما قال المشركون من أهل مكة ، والإيمان بالقرآن يشمل الإيمان بالبعث فكان قوله تعالى : وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا شاملا لما سبق الفاء من قوله : زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا [ التغابن : 7 ] إلخ . وفي قوله : الَّذِي أَنْزَلْنا التفات من الغيبة إلى المتكلم لزيادة الترغيب في الإيمان بالقرآن تذكيرا بأنه منزل من اللّه لأن ضمير التكلم أشد دلالة على معاده من ضمير الغائب ، ولتقوية داعي المأمور . وجملة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ تذييل لجملة فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يقتضي وعدا إن آمنوا ، ووعيدا إن لم يؤمنوا . وفي ذكر اسم الجلالة إظهار في مقام الإضمار لتكون الجملة مستقلة جارية مجرى المثل والكلم الجوامع ، ولأن الاسم الظاهر أقوى دلالة من الضمير لاستغنائه عن تطلب المعاد . وفيه من تربية المهابة ما في قول الخليفة « أمير المؤمنين يأمركم بكذا » . والخبير : العليم ، وجيء هنا بصفة « الخبير » دون : البصير ، لأن ما يعلمونه منه محسوسات ومنه غير محسوسات كالمعتقدات ، ومنها الإيمان بالبعث ، فعلق بالوصف الدال على تعلق العلم الإلهي بالموجودات كلها ، بخلاف قوله فيما تقدم هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ التغابن : 2 ] فإن لكفر الكافرين وإيمان المؤمنين آثارا ظاهرة محسوسة فعلقت بالوصف الدال على تعلق العلم الإلهي بالمحسوسات . [ 9 ، 10 ] [ سورة التغابن ( 64 ) : آية 9 ] يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) [ سورة التغابن ( 64 ) : آية 10 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 10 ) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ . متعلق بفعل لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ [ التغابن : 7 ] الذي هو كناية عن « تجازون » على