الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
241
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فهذا عدّ لكفر آخر من وجوه كفرهم وهو تكذيبهم الرسول صلى اللّه عليه وسلّم وتكذيبهم بالقرآن فإن القرآن بيّنة من البيّنات لأنه معجزة . والباء للسببية فالجملة في موقع العلة . والضمير ضمير الشأن لقصد تهويل ما يفسر الضمير ، وهو جملة كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ إلى آخرها . والاستفهام في أَ بَشَرٌ استفهام إنكار وإبطال فهم أحالوا أن يكون بشر مثلهم يهدون بشرا أمثالهم ، وهذا من جهلهم بمراتب النفوس البشرية ومن يصطفيه اللّه منها ، ويخلقه مضطلعا بتبليغ رسالته إلى عباده . كما قال : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] وجهلوا أنه لا يصلح لإرشاد الناس إلا من هو من نوعهم قال تعالى : قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا [ الإسراء : 95 ] ولمّا أحالوا أن يكون البشر أهلا لهداية بشر مثله جعلوا ذلك كافيا في إعراضهم عن قبول القرآن والتدبر فيه . والبشر : اسم جنس للإنسان يصدق على الواحد كما في قوله تعالى : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [ الكهف : 110 ] ويقال على الجمع كما هنا . وتقدم في قوله : وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً في سورة يوسف [ 31 ] وفي سورة مريم [ 17 ] عند قوله : فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا . وتنكير بَشَرٌ للنوعية لأن محط الإنكار على كونهم يهدونهم ، هو نوع البشرية . وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لقصد تقوّي حكم الإنكار ، وما قالوا ذلك حتى اعتقدوه فلذلك أقدموا على الكفر برسلهم إذ قد اعتقدوا استحالة إرسال اللّه إياهم فجزموا بكذبهم في دعوى الرسالة فلذلك فرع عليه فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا . والتولي أصله : الانصراف عن المكان الذي أنت فيه ، وهو هنا مستعار للإعراض عن قبول دعوة رسلهم ، وتقدم عند قوله تعالى : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ في سورة البقرة [ 64 ] . وَاسْتَغْنَى غنى فالسين والتاء للمبالغة كقوله : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى [ عبس : 5 ] . والمعنى : غني اللّه عن إيمانهم قال تعالى : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [ الزمر : 7 ] . والواو واو الحال ، أي والحال أن اللّه غني عنهم من زمن مضى فإن غنى اللّه عن إيمانهم مقرر في الأزل .