الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

219

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ . جملة معترضة بين حكاية أحوالهم نشأت لمناسبة قوله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ [ المنافقون : 5 ] إلخ . واعلم أن تركيب : سواء عليه أكذا أم كذا ، ونحوه مما جرى مجرى المثل فيلزم هذه الكلمات مع ما يناسبها من ضمائر المخبر عنه . ومدلوله استواء الأمرين لدى المجرور بحرف ( على ) ، ولذلك يعقّب بجملة تبين جهة الاستواء كجملة لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ . وجملة لا يُؤْمِنُونَ في سورة البقرة [ 6 ] . وقوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ في سورة يس [ 10 ] وأما ما ينسب إلى بثينة في رثاء جميل بن معمر من قولها : سواء علينا يا جميل بن معمر * إذا متّ بأساء الحياة ولينها فلا أحسبه صحيح الرواية . وسواء اسم بمعنى مساو يعامل معاملة الجامد في الغالب فلا يتغير خبره نقول : هما سواء ، وهم سواء . وشذ قولهم : سواءين . و ( على ) من قوله : عَلَيْهِمْ بمعنى تمكّن الوصف . فالمعنى : سواء فيهم . وهمزة أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أصلها همزة استفهام بمعنى : سواء عندهم سؤال السائل عن وقوع الاستغفار لهم وسؤال السائل عن عدم وقوعه . وهو استفهام مجازي مستعمل كناية عن قلة الاعتناء بكلا الحالين بقرينة لفظ سواء ولذلك يسمي النحاة هذه الهمزة التسوية . وتقدم عند قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ في سورة البقرة [ 6 ] ، أي سواء عندهم استغفارك لهم وعدمه . ف ( على ) للاستعلاء المجازي الذي هو التمكن والتلبس فتؤول إلى معنى ( عند ) كما تقول سواء عليّ أرضيت أم غضبت وقوله تعالى : قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ في سورة الشعراء [ 136 ] . وجملة لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ معترضة بين جملة سَواءٌ عَلَيْهِمْ وجملة هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ [ المنافقون : 7 ] وهي وعيد لهم وجزاء على استخفافهم بالاستغفار من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ .