الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
208
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وكانت غزوة تبوك في آخر سني النبوءة وقد ضعف أمر المنافقين . وسبب نزولها « ما روي عن زيد بن أرقم أنه قال : كنا في غزاة فكسع « 1 » رجل من المهاجرين رجلا جهنيّا حليفا للأنصار فقال الجهني : يا للأنصار ، وقال المهاجري : يا للمهاجرين : فسمع ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقال : ما بال دعوى الجاهلية ، قالوا : كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال : « دعوها فإنها منتنة » ( أي اتركوا دعوة الجاهلية : يا آل كذا ) فسمع هذا الخبر عبد اللّه بن أبيّ فقال : أقد فعلوها أما واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ » . وقال : لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضوا من حوله ، قال زيد بن أرقم : فسمعت ذلك فأخبرت به عمي فذكره للنبي صلى اللّه عليه وسلّم فدعاني فحدثته فأرسل رسول اللّه إلى عبد اللّه بن أبيّ وأصحابه فحلفوا ما قالوا ، فكذّبني رسول اللّه وصدّقه فأصابني همّ لم يصبني مثله فقال عمّي : ما أردت إلا أن كذبك رسول اللّه ، وفي رواية : إلى أن كذّبك ، فلما أصبحنا قرأ رسول اللّه سورة المنافقين وقال لي : « إن اللّه قد صدقك » . وفي رواية للترمذي في هذا الحديث : « أن المهاجريّ أعرابيّ وأن الأنصاريّ من أصحاب عبد اللّه بن أبيّ ، وأن المهاجري ضرب الأنصاري على رأسه بخشبة فشجّه ، وأن عبد اللّه بن أبيّ قال : لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضوا من حوله » يعني الأعراب ، وذكر أهل السير أن المهاجريّ من غفار اسمه جهجاه أجير لعمر بن الخطاب . وأن الأنصاريّ جهني اسمه سنان حليف لابن أبيّ ، ثم يحتمل أن تكون الحادثة واحدة . واضطراب الراوي عن زيد بن أرقم في صفتها ؛ ويجوز أن يكون قد حصل حادثتان في غزاة واحدة . و ذكر الواحدي في « أسباب النزول » : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أرسل إلى عبد اللّه بن أبيّ وقال له : أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني ، فقال عبد اللّه بن أبيّ : والذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من هذا وإن زيدا لكاذب . والظاهر أن المقالة الأولى قالها ابن أبيّ في سورة غضب تهييجا لقومه ثم خشي انكشاف نفاقه فأنكرها . وأما المقالة الثانية فإنما أدرجها زيد بن أرقم في حديثه وإنما قالها ابن أبيّ في سورة
--> ( 1 ) كسع ضربه على دبره ، وكان ذلك لخصومة في حوض ماء شربت منه ناقة الأنصاري .