الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

19

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقد أجمل مقدار الطعام في الآية اكتفاء بتسميته إطعاما فيحمل على ما يقصده الناس من الطعام وهو الشبع الواحد كما هو المتعارف في فعل طعم . فحمله علماؤنا على ما به شبع الجائع فيقدر في كل قوم بحسب ما به شبع معتاد الجائعين . وعن مالك رحمه اللّه في ذلك روايتان ، إحداهما : أنه مدّ واحد لكل مسكين بمدّ النبي صلى اللّه عليه وسلّم والثانية : أنه مدّان أو ما يقرب من المدّين وهو مدّ بمدّ هشام ( بن إسماعيل المخزومي أمير المدينة ) وقدره مدّان إلا ثلث مدّ قال : قال أشهب : قلت لمالك : أيختلف الشبع عندنا وعندكم ؟ قال : نعم الشبع عندنا مدّ بمدّ النبي صلى اللّه عليه وسلّم والشبع عندكم أكثر ( أي لأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم دعا لأهل المدينة بالبركة ) . وقوله هذا يقتضي أن يكون الإطعام في المدينة مدّا بمدّ النبي صلى اللّه عليه وسلّم مثل كفارة الفطر في رمضان فكيف جعله مالك مقدرا بمدّين أو بمدّ وثلثين ، وقال : لو أطعم مدّا ونصف مدّ أجزأه . فتعين أن تضعيف المقدار في الإطعام مراعى فيه معنى العقوبة على ما صنع ، وإلا فلا دليل عليه من نص ولا قياس . قال أبو الحسن القابسي : إنما أخذ أهل المدينة بمدّ هشام في كفارة الظهار تغليظا على المتظاهرين الذين شهد اللّه عليهم أنهم يقولون منكرا من القول وزورا فهذا مما ثبت بعمل أهل المدينة . وقدّر أبو حنيفة الشبع بمدّين بمدّ النبي صلى اللّه عليه وسلّم فلعله راعى الشبع في معظم الأقطار غير المدينة ، وقدّره الشافعي بمدّ واحد لكل مسكين قياسا على ما ثبت في السنة في كفارة الإفطار وكفارة اليمين . ولم يذكر مع الإطعام قيد مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا اكتفاء بذكره مع تحرير الرقبة وصيام الشهرين ولأنه بدل عن الصيام ومجزّأ لمثل أيام الصيام . هذا قول جمهور الفقهاء . وعن أبي حنيفة أن الإطعام لا يشترط فيه وقوعه من قبل أن يتماسّا . ثم إن وقع المسيس قبل الكفارة أو قبل إتمامها لم يترتب على ذلك إلا أنه آثم إذ لا يمكن أن يترتب عليه أثر آخر ، وهذا ما بيّنه حديث سلمة بن صخر الذي شكا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم أنه وقع على امرأته بعد أن ظاهر منها ، فأمره بأن لا يعود إلى مثل ذلك حتى يكفّر . وهذا قول جمهور الفقهاء ، وقال مجاهد : عليه كفّارتان . وصريح الآية أن تتابع الصيام شرط في التكفير ، وعليه فلو أفطر في خلاله دون عذر وجب عليه إعادته . ولا يمسّ امرأته حتى يتم الشهران متتابعين فإن مسها في خلال الشهرين أثم ووجب