الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

187

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأميين . وصيغة جمع الذكور في كلام الشارع تشمل النساء بطريقة التغليب الاصطلاحي ، أي في الأميين والأمّيات فإن أدلة الشريعة قائمة على أنها تعم الرجال والنساء إلا في أحكام معلومة . والأميون : الذين لا يقرءون الكتابة ولا يكتبون ، وهو جمع أمي نسبة إلى الأمة ، يعنون بها أمة العرب لأنهم لا يكتبون إلا نادرا ، فغلبت هذا التشبيه في الإطلاق عند العرب حتى صارت تطلق على من لا يكتب ولو من غيرهم ، قال تعالى في ذكر بني إسرائيل وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وقد تقدم في سورة البقرة [ 78 ] . وأوثر التعبير به هنا توركا على اليهود لأنهم كانوا يقصدون به الغض من العرب ومن النبي صلى اللّه عليه وسلّم جهلا منهم فيقولون : هو رسول الأميين وليس رسولا إلينا . وقد قال ابن صياد للنبي صلى اللّه عليه وسلّم لما قال له : « أتشهد أني رسول اللّه » . أشهد أنك رسول الأميين . وكان ابن صياد متدينا باليهودية لأن أهله كانوا حلفاء لليهود . وكان اليهود ينتقصون المسلمين بأنهم أميون قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [ آل عمران : 75 ] فتحدى اللّه اليهود بأنه بعث رسولا إلى الأميين وبأن الرسول أمي ، وأعلمهم أن ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء كما في آخر الآية وأن فضل اللّه ليس خاصا باليهود ولا بغيرهم وقد قال تعالى من قبل لموسى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ [ القصص : 5 ، 6 ] . ووصف الرسول بأنه منهم ، أي من الأميين شامل لمماثلته لهم في الأمية وفي القومية . وهذا من إيجاز القرآن البديع . وفي وصف الرسول الأمي بأنه يتلو على الأميين آيات اللّه ، أي وحيه ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ، أي يلقنهم إياه كما كانت الرسل تلقن الأمم الكتاب بالكتابة ، ويعلمهم الحكمة التي علمتها الرسل السابقون أممهم في كل هذه الأوصاف تحد بمعجزة الأمية في هذا الرسول صلى اللّه عليه وسلّم ، أي هو مع كونه أمّيا قد أتى أمته بجميع الفوائد التي أتى بها الرّسل غير الأميين أممهم ولم ينقص عنهم شيئا ، فتمحضت الأمية للكون معجزة حصل من صاحبها أفضل مما حصل من الرسل الكاتبين مثل موسى . وفي وصف الأميّ بالتلاوة وتعليم الكتاب والحكمة وتزكية النفوس ضرب من محسن