الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

179

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ آل عمران : 186 ] . وهذا هو الذي شبه بنصر الحواريين دين اللّه الذي جاء به عيسى عليه السّلام ، فإن عيسى لم يجاهد من عاندوه ، ولا كان الحواريون ممن جاهدوا ولكنه صبر وصبروا حتى أظهر اللّه دين النصرانية وانتشر في الأرض ثم دبّ إليه التغيير حتى جاء الإسلام فنسخه من أصله . والأنصار : جمع نصير ، وهو الناصر الشديد النصر . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ بتنوين أنصارا وقرن اسم الجلالة باللام الجارة فيكون أنصارا مرادا به دلالة اسم الفاعل المفيد للإحداث ، أي محدثين النصر ، واللام للأجل ، أي لأجل اللّه ، أي ناصرين له كما قال تعالى : فَلا ناصِرَ لَهُمْ [ محمد : 13 ] . وقرأه الباقون بإضافة أَنْصارَ إلى اسم الجلالة بدون لام على اعتبار أنصار كاللقب على نحو قوله : مَنْ أَنْصارِي . والتشبيه بدعوة عيسى ابن مريم للحواريين وجواب الحواريين تشبيه تمثيل ، أي كونوا عندما يدعوكم محمد صلى اللّه عليه وسلّم إلى نصر اللّه كحالة قول عيسى ابن مريم للحواريين واستجابتهم له . والتشبيه لقصد التنظير والتأسّي فقد صدق الحواريون وعدهم وثبتوا على الدّين ولم تزعزعهم الفتن والتعذيب . و ( ما ) مصدرية ، أي كقول عيسى وقول الحواريين . وفيه حذف مضاف تقديره : لكون قول عيسى وقول الحواريين . فالتشبيه بمجموع الأمرين قول عيسى وجواب الحواريين لأن جواب الحواريين بمنزلة الكلام المفرع على دعوة عيسى وإنما تحذف الفاء في مثله من المقاولات والمحاورات للاختصار ، كما تقدم في قوله تعالى : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها في سورة البقرة [ 30 ] . وقول عيسى مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ استفهام لاختبار انتدابهم إلى نصر دين اللّه معه نظير قول طرفة : إن القوم قالوا من فتى خلت إنني * عنيت فلم أكسل ولم أتبلد وإضافة أَنْصارَ إلى ياء المتكلم وهو عيسى باعتبارهم أنصار دعوته .