الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
175
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 13 ] [ سورة الصف ( 61 ) : آية 13 ] وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 13 ) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ . عطف على جملة يَغْفِرْ لَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ [ الصف : 12 ] عطف الاسمية على الفعلية . وجيء بالاسمية لإفادة الثبوت والتحقق . ف أُخْرى مبتدأ خبره محذوف دل عليه قوله : لَكُمْ من قوله : يَغْفِرْ لَكُمْ . والتقدير : أخرى لكم ، ولك أن تجعل الخبر قوله : نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ . وجيء به وصفا مؤنثا بتأويل نعمة ، أو فضيلة ، أو خصلة مما يؤذن به قوله : يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [ الصف : 12 ] إلى آخره من معنى النعمة والخصلة كقوله تعالى : وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها في سورة الفتح [ 21 ] . ووصف أُخْرى بجملة تُحِبُّونَها إشارة إلى الامتنان عليهم بإعطائهم ما يحبون في الحياة الدنيا قبل إعطاء نعيم الآخرة . وهذا نظير قوله تعالى : فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها [ البقرة : 144 ] . و نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ بدل من أُخْرى ، ويجوز أن يكون خبرا عن أُخْرى . والمراد به النصر العظيم ، وهو نصر فتح مكة فإنه كان نصرا على أشد أعدائهم الذين فتنوهم وآذوهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم وألّبوا عليهم العرب والأحزاب . وراموا تشويه سمعتهم ، وقد انضم إليه نصر الدين بإسلام أولئك الذين كانوا من قبل أئمة الكفر ومساعير الفتنة ، فأصبحوا مؤمنين إخوانا وصدق اللّه وعده بقوله : عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً [ الممتحنة : 7 ] وقوله : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [ آل عمران : 103 ] . وذكر اسم الجلالة يجوز أن يكون إظهارا في مقام الإضمار على احتمال أن يكون ضمير التكلم في قوله : هَلْ أَدُلُّكُمْ [ الصف : 10 ] كلاما من اللّه تعالى ، ويجوز أن يكون جاريا على مقتضى الظاهر إن كان الخطاب أمر به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم بتقدير « قل » . ووصف الفتح ب قَرِيبٌ تعجيل بالمسرة . وهذه الآية من معجزات القرآن الراجعة إلى الإخبار بالغيب . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ .