الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
166
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ومعنى يصير إلى المنتهى يتأخر إلى قرب الساعة . وفي إنجيل يوحنّا في الإصحاح الرابع عشر « إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر يثبت معكم إلى الأبد » . و ( فارقليط ) كلمة رومية ، أي بوانية تطلق بمعنى المدافع أو المسلي ، أي الذي يأتي بما يدفع الأحزان والمصائب ، أي يأتي رحمة ، أي رسول مبشر ، وكلمة آخر صريحة في أنه رسول مثل عيسى . وفي الإصحاح الرابع عشر « والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل الذي أرسلني . وبهذا كلّمتكم وأنا عندكم ( أي مدة وجودي بينكم ) ، وأما ( الفارقليط ) الروح القدسي الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته » ( ومعنى « باسمي » أي بصفة الرسالة ) لا أتكلم معكم كثيرا لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيّ شيء ولكن ليفهم العالم أني أحبّ الأب وكما أوصاني الأب أفعل » . وفي الإصحاح الخامس عشر منه « ومتى جاء الفارقليط « 1 » الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي » . وفي هذه الأخبار إثبات أن هذا الرسول المبشر به تعمّ رسالته جميع الأمم في جميع الأرض ، وأنه الخاتم ، وأن لشريعته ملكا لقول إنجيل متّى « هو يكرز ببشارة الملكوت » والملكوت هو الملك ، وأن تعاليمه تتعلق بجميع الأشياء العارضة للناس ، أي شريعته تتعلق أحكامها بجميع الأحوال البشرية ، وجميعها مما تشمله الكلمة التي جاءت على لسان عيسى عليه السلام وهي كلمة اسْمُهُ أَحْمَدُ فكانت من الرموز الإلهية ولكونها مرادة لذلك ذكرها اللّه تعالى في القرآن تذكيرا وإعلانا . وذكر القرآن تبشير عيسى بمحمد عليهما الصلاة والسّلام إدماج في خلال المقصود
--> ( 1 ) لفظ ( فارقليط ) وقع في تراجم الأناجيل ، وخاصة إنجيل يوحنا كما في طبعة الكتاب المقدّس بعناية ( واطس ) في لندن سنة 1848 . وكذلك أثبتها مرارا البقاعي في « نظم الدرر » وغيره . وهو لفظ يوناني أصله ( باركليتوس ) أوله باء فارسية مخرجها بين الباء والفاء . وتاؤه المثناة مفخمة ولذلك قالوا هي روحية . ووقع في « شرح الشيرازي » على « حكمة الإشراق » للسهروردي أنها عبرية . وهم وهم . ومعناها المدافع وكذلك المسلّي والمعزّي ، أي من الرسل . وبهذا الأخير ترجمت في طبعة الرهبان الأمريكان في بيروت سنة 1896 طبعة ثامنة . وقد قيل إن كلمة ( فارقليط ) تطلق على جبريل ولعل هذا من تأويلات النصارى للتفصّي عن مجيء رسول بعد عيسى .