الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

161

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بعد موسى اشتهروا بعنوان « بني إسرائيل » ولم يطلق عليهم عنوان : قوم موسى ، إلا في مدة حياة موسى خاصة فإنهم إنما صاروا أمة وقوما بسببه وشريعته . فأما عيسى فإنما كان مرسلا بتأييد شريعة موسى ، والتذكير بها وتغيير بعض أحكامها ، ولأن عيسى حين خاطبهم لم يكونوا قد اتبعوه ولا صدّقوه فلم يكونوا قوما له خالصين . وتقدم القول في معنى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ في أوائل سورة آل عمران [ 50 ] وفي أثناء سورة العقود . والمقصود من تنبيههم على هذا التصديق حين ابتدأهم بالدعوة تقريب إجابتهم واستنزال طائرهم لشدة تمسكهم بالتوراة واعتقادهم أن أحكامها لا تقبل النسخ ، وأنها دائمة . ولذلك لما ابتدأهم بهذه الدعوة لم يزد عليها ما حكي عنه في سورة آل عمران [ 50 ] من قوله : وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ ، فيحمل ما هنالك على أنه خطاب واقع بعد أول الدعوة فإن اللّه لم يوح إليه أوّل مرّة بنسخ بعض أحكام التوراة ثم أوحاه إليه بعد ذلك . فحينئذ أخبرهم بما أوحي إليه . وكذلك شأن التشريع أن يلقى إلى الأمة تدريجا كما في حديث عائشة في « صحيح البخاري » أنها قالت : « إنما أنزل أوّل ما أنزل منه ( أي القرآن ) سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو أنزل أول شيء : لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا نترك الخمر أبدا ، ولو نزل : لا تزنوا : لقالوا : لا ندع الزنا أبدا . لقد نزل بمكة على محمد صلى اللّه عليه وسلّم وإني لجارية ألعب بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ [ القمر : 46 ] ، وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده » اه . فمعنى قوله : مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ في كلتا الآيتين هو التصديق بمعنى التقرير والأعمال على وجه الجملة ، أي أعمال مجموعها وجمهرة أحكامها ولا ينافي ذلك أنه قد تغير بعض أحكامها بوحي من اللّه في أحوال قليلة . والتبشير : الإخبار بحادث يسرّ ، وأطلق هنا على الإخبار بأمر عظيم النفع لهم لأنه يلزمه السرور الحق فإن مجيء الرسول إلى الناس نعمة عظيمة . ووجه إيثار هذا اللفظ الإشارة إلى ما وقع في الإنجيل من وصف رسالة الرسول