الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
16
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
متتابعين » . قالت : إنه شيخ كبير ما به من صيام . قال : « فليطعم ستين مسكينا » . قالت : ما عنده شيء يتصدق به . فأتي ساعتئذ بعرق من تمر قلت : يا رسول اللّه فإني أعينه بعرق آخر . قال : « قد أحسنت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستّين مسكينا وارجعي إلى ابن عمّك » . قال أبو داود في هذا : إنها كفرت عنه من غير أن تستأمره . والمراد « بما قالوا » ما قالوا بلفظ الظهار وهو ما حرموه على أنفسهم من الاستمتاع المفاد من لفظ : أنت عليّ كظهر أمي ، لأن : أنت عليّ . في معنى : قربانك ونحوه عليّ كمثله من ظهر أمي . ومنه قوله تعالى : وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ [ مريم : 80 ] ، أي مالا وولدا في قوله تعالى : وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً [ مريم : 77 ] ، وقوله : قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ [ آل عمران : 183 ] أي قولكم حتى يأتينا بقربان تأكله النار . ففعل القول في هذا وأمثاله ناصب لمفرد لوقوعه في خلاف جملة مقولة ، وإيثار التعبير عن المعنى الذي وقع التحريم له . فلفظ الظهار بالموصول وصلته هذه إيجاز وتنزيه للكلام عن التصريح به . فالمعنى : ثم يرومون أن يرجعوا للاستمتاع بأزواجهم بعد أن حرموه على أنفسهم . وفهم من قوله : ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أن من لم يرد العود إلى امرأته لا يخلو حاله : فإما أن يريد طلاقها فله أن يوقع عليها طلاقا آخر لأن اللّه أبطل أن يكون الظهار طلاقا ، وإما أن لا يريد طلاقا ولا عودا . فهذا قد صار ممتنعا من معاشرة زوجه مضرّا بها فله حكم الإيلاء الذي في قوله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ [ البقرة : 226 ] الآية . وقد كانوا يجعلون الظهار إيلاء كما في قصة سلمة بن صخر البياضي . ثم الزرقي في كتاب أبي داود قال : « كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا يتايع بي ( بتحتية في أوله مضمومة ثم مثناة فوقية ثم ألف ثم تحتية ، والظاهر أنها مكسورة . والتتايع الوقوع في الشر فالباء في قوله : ( بي ) زائدة للتأكيد ) حتى أصبح ، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان » . الحديث . واللام في قوله : لِما قالُوا بمعنى ( إلى ) كقوله تعالى : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [ الزلزلة : 5 ] ونظيره قوله : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ [ الأنعام : 28 ] . وأحسب أن أصل اللام هو التعليل ، وهو أنها في مثل هذه المواضع إن كان الفعل الذي تعلقت به ليس فيه معنى المجيء حملت اللام فيه على معنى التعليل وهو الأصل نحو : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [ الزلزلة : 5 ] ، وما يقع فيه حرف ( إلى ) من ذلك مجاز بتنزيل من يفعل الفعل لأجله