الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
157
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهو خبر عن كون قولهم : ما لا تَفْعَلُونَ أمرا كبيرا في جنس المقت . والكبر : مستعار للشدة لأن الكبير فيه كثرة وشدة في نوعه . و أَنْ تَقُولُوا فاعل كَبُرَ . والمقت : البغض الشديد . وهو هنا بمعنى اسم المفعول . وانتصب مَقْتاً على التمييز لجهة الكبر . وهو تمييز نسبة . والتقدير : كبر ممقوتا قولكم ما لا تفعلونه . ونظم هذا الكلام بطريقة الإجمال ثم التفصيل بالتمييز لتهويل هذا الأمر في قلوب السامعين لكون الكثير منهم بمظنة التهاون في الحيطة منه حتى وقعوا فيما وقعوا يوم أحد . ففيه وعيد على تجدد مثله ، وزيد المقصود اهتماما بأن وصف المقت بأنه عند اللّه ، أي مقت لا تسامح فيه . وعدل عن جعل فاعل كَبُرَ ضمير القول بأن يقتصر على كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أو يقال : كبر ذلك مقتا ، لقصد زيادة التهويل بإعادة لفظه ، ولإفادة التأكيد . و ما في قوله : ما لا تَفْعَلُونَ في الموضعين موصولة ، وهي بمعنى لام العهد ، أي الفعل الذي وعدتم أن تفعلوه وهو أحبّ الأعمال إلى اللّه أو الجهاد . فاقتضت الآية أن الوعد في مثل هذا يجب الوفاء به لأن الموعود به طاعة فالوعد به من قبيل النذر المقصود منه القربة فيجب الوفاء به . [ 4 ] [ سورة الصف ( 61 ) : آية 4 ] إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ ( 4 ) هذا جواب على تمنيهم معرفة أحب الأعمال إلى اللّه كما في حديث عبد اللّه بن سلام عند الترمذي المتقدم وما قبله توطئة له على أسلوب الخطب ومقدماتها . والصف : عدد من أشياء متجانبة منتظمة الأماكن ، فيطلق على صف المصلين ، وصفّ الملائكة ، وصف الجيش في ميدان القتال بالجيش إذا حضر القتال كان صفّا من رجّالة أو فرسان ثم يقع تقدم بعضهم إلى بعض فرادى أو زرافات . فالصفّ هنا : كناية عن الانتظام والمقاتلة عن تدبّر .