الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

135

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

و عَسَى فعل مقاربة وهو مستعمل هنا في رجاء المسلمين ذلك من اللّه أو مستعملة في الوعد مجردة عن الرجاء . قال في « الكشاف » : كما يقول الملك في بعض الحوائج عسى أو لعل فلا تبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك . وضمير مِنْهُمْ عائد إلى العدوّ من قوله : لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [ الممتحنة : 1 ] . وجملة وَاللَّهُ قَدِيرٌ تذييل . والمعنى : أنه شديد القدرة على أن يغير الأحوال فيصير المشركون مؤمنين صادقين وتصيرون أودّاء لهم . وعطف على التذييل جملة وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، أي يغفر لمن أنابوا إليه ويرحمهم فلا عجب أن يصيروا أودّاء لكم كما تصيرون أوداء لهم . [ 8 ] [ سورة الممتحنة ( 60 ) : آية 8 ] لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 8 ) استئناف هو منطوق لمفهوم الأوصاف التي وصف بها العدوّ في قوله تعالى : وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ [ الممتحنة : 1 ] وقوله : إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ [ الممتحنة : 2 ] ، المسوقة مساق التعليل للنهي عن اتخاذ عدوّ اللّه أولياء ، استثنى اللّه أقواما من المشركين غير مضمرين العداوة للمسلمين وكان دينهم شديد المنافرة مع دين الإسلام . فإن نظرنا إلى وصف العدوّ من قوله : لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ وحملناه على حالة معاداة من خالفهم في الدين ونظرنا مع ذلك إلى وصف يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ، كان مضمون قوله : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ إلى آخره ، بيانا لمعنى العداوة المجعولة علة للنهي عن الموالاة وكان المعنى أن مناط النهي هو مجموع الصفات المذكورة لا كل صفة على حيالها . وإن نظرنا إلى أن وصف العدوّ هو عدوّ الدين ، أي مخالفة في نفسه مع ضميمة وصف وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ، كان مضمون لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ إلى آخره تخصيصا للنهي بخصوص أعداء الدين الذين لم يقاتلوا المسلمين لأجل الدين ولم يخرجوا المسلمين من ديارهم . وأيّا ما كان فهذه الجملة قد أخرجت من حكم النهي القوم الذين لم يقاتلوا في