الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
10
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ومظاهرة ، ولم يقولوا في مصدره بوزن التظهر ، فقراءة نافع قد استغني فيها عن مصدره بمصدر مرادفه . ومعناه أن يقول الرجل لزوجه : أنت عليّ كظهر أمّي . وكان هذا قولا يقولونه في الجاهلية يريدون به تأبيد تحريم نكاحها وبتّ عصمته . وهو مشتق من الظهر ضد البطن لأن الذي يقول لامرأته : أنت عليّ كظهر أمي ، يريد بذلك أنه حرمها على نفسه . كما أن أمه حرام عليه ، فإسناد تركيب التشبيه إلى ضمير المرأة على تقدير حالة من حالاتها ، وهي حالة الاستمتاع المعروف ، سلكوا في هذا التحريم مسلك الاستعارة المكنية بتشبيه الزوجة حين يقربها زوجها بالراحلة ، وإثبات الظهر لها تخيّل للاستعارة ، ثم تشبيه ظهر زوجته بظهر أمه ، أي في حالة من أحواله ، وهي حالة الاستمتاع المعروف . وجعل المشبه ذات الزوجة . والمقصود أخصّ أحوال الزوجة وهو حال قربانها فآل إلى إضافة الأحكام إلى الأعيان . فالتقدير : قربانك كقربان ظهر أمي ، أي اعتلائها الخاص . ففي هذه الصيغة حذف ومجيء حروف لفظ ظهر في صيغة ظهار أو مظاهرة يشير إلى صيغة التحريم التي هي « أنت عليّ كظهر أمّي » إيماء إلى تلك الصيغة على نحو ما يستعمل في النحت وليس هو من التحت لأن النحت يشتمل على حروف من عدة كلمات . قال المفسرون وأهل اللغة : كان الظهار طلاقا في الجاهلية يقتضي تأبيد التحريم . وأحسب أنه كان طلاقا عند أهل يثرب وما حولها لكثرة مخالطتهم اليهود ولا أحسب أنّه كان معروفا عند العرب في مكة وتهامة ونجد وغيرها ولم أقف على ذلك في كلامهم . وحسبك أن لم يذكر في القرآن إلا في المدني هنا وفي سورة الأحزاب . والذي يلوح لي أن أهل يثرب ابتدعوا هذه الصيغة للمبالغة في التحريم ، فإنهم كانوا قبل الإسلام ممتزجين باليهود متخلّقين بعوائدهم ، وكان اليهود يمنعون أن يأتي الرجل امرأته من جهة خلفها كما تقدم في قوله تعالى : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ في سورة البقرة [ 223 ] . فلذلك جاء في هذه الصيغة لفظ الظّهر ، فجمعوا في هذه الصيغة تغليظا من التحريم وهي أنها كأمّه ، بل كظهر أمه . فجاءت صيغة شنيعة فظيعة . وأخذوا من صيغة « أنت علي كظهر أمي » أصرح ألفاظها وأخصها بغرضها وهو لفظ « ظهر » فاشتقّوا منه الفعل بزنات متعددة ، يقولون : ظاهر من امرأته ، وظهّر مثل ضاعف وضعّف ، ويدخلون عليهما تاء المطاوعة ، فيقولون : تظاهر منها وتظهر ، وليس هذا من