الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

89

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أداة الشرط إنما تقتضي تعليق وقوع جوابها على وقوع فعلها لو وقع . ووقع سَحابٌ مَرْكُومٌ خبرا عن مبتدأ محذوف ، وتقديره : هو سحاب وهذا سحاب . والمقصود : أنهم يقولون ذلك عنادا مع تحققهم أنه ليس سحابا . ولكون المقصود أن العناد شيمتهم فرع عليه أن أمر اللّه رسول صلى اللّه عليه وسلم بأن يتركهم ، أي يترك عرض الآيات عليهم ، أي أن لا يسأل اللّه إظهار ما اقترحوه من الآيات لأنهم لا يقترحون ذلك طلبا للحجة ولكنهم يكابرون ، قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كلمات رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 96 ، 97 ] . وليس المراد ترك دعوتهم وعرض القرآن عليهم . ويجوز أن يكون الأمر في قوله : فَذَرْهُمْ مستعملا في تهديدهم لأنهم يسمعونه حين يقرأ عليهم القرآن كما يقال للذي لا يرعوي عن غيه : دعه فإنه لا يقلع . وأفادت الغاية أنه يتركهم إلى الأبد لأنهم بعد أن يصعقوا لا تعاد محاجتهم بالأدلة والآيات . وقرأ الجمهور يُلاقُوا . وقرأه أبو جعفر يُلْقُوا بدون ألف بعد اللام . و « اليوم الذي فيه يصعقون » هو يوم البعث الذي يصعق عنده من في السماوات ومن في الأرض . وإضافة اليوم إلى ضميرهم لأنهم اشتهروا بإنكاره وعرفوا بالذين لا يؤمنون بالآخرة . وهذا نظير النسب في قول أهل أصول الدين : فلان قدري ، يريدون أنه لا يؤمن بالقدر . فالمعنى بنسبته إلى القدر أنه يخوض في شأنه ، أو لأنه اليوم الذي أوعدوه ، فالإضافة لأدنى ملابسة . ونظيره قوله تعالى : وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ الأنبياء : 103 ] . والصعق : الإغماء من خوف أو هلع قال تعالى : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [ الأعراف : 143 ] ، وأصله مشتق من الصاعقة لأن المصاب بها يغمى عليه أو يموت ، يقال : صعق ، بفتح فكسر ، وصعق بضم وكسر .