الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
84
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذا تحدّ لهم بكذبهم فلذلك اكتفى بأن يأتي بعضهم بحجة دون تكليف جميعهم بذلك على نحو قوله : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] أي فليأت من يتعهد منهم بالاستماع بحجة . وهذا بمنزلة التذييل للكلام على نحو ما تقدم في قوله : قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [ الطور : 31 ] وقوله : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ [ الطور : 34 ] . [ 39 ] [ سورة الطور ( 52 ) : آية 39 ] أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ( 39 ) لما جرى نفي أن تكون لهم مطالعة الغيب من الملأ الأعلى إبطالا لمقالاتهم في شؤون الربوبية أعقب ذلك بإبطال نسبتهم للّه بنات استقصاء لإبطال أوهامهم في المغيبات من العالم العلوي ، فهذه الجملة معترض بين جملة أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ [ الطور : 38 ] وجملة أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً [ الطور : 40 ] ، ويقدر الاستفهام إنكارا لأن يكون للّه البنات . ودليل الإنكار في نفس الأمر استحالة الولد على اللّه تعالى ولكن لمّا كانت عقول أكثر المخاطبين بهذا الرد غير مستعدة لإدراك دليل الاستحالة ، وكان اعتقادهم البنات للّه منكرا ، تصدّي لدليل الإبطال وسلك في إبطاله دليل إقناعي يتفطنون به إلى خطل رأيهم وهو قوله : وَلَكُمُ الْبَنُونَ . فجملة وَلَكُمُ الْبَنُونَ في موضع الحال من ضمير الغائب ، أي كيف يكون للّه البنات في حال أن لكم بنين وهم يعلمون أن صنف الذكور أشرف من صنف الإناث على الجملة كما أشار إليه قوله تعالى : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى [ النجم : 21 ، 22 ] . فهذا مبالغة في تشنيع قولهم فليس المراد أنهم لو نسبوا للّه البنين لكان قولهم مقبولا لأنهم لم يقولوا ذلك فلا طائل تحت إبطاله . وتغيير أسلوب الغيبة المتبع ابتداء من قوله : أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ [ الطور : 30 ] إلى أسلوب الخطاب التفات مكافحة لهم بالرد بجملة الحال . وتقديم لَكُمُ على الْبَنُونَ لإفادة الاختصاص ، أي لكم البنون دونه فهم لهم بنون وبنات ، وزعموا أن اللّه ليس له إلا البنات . وأما تقديم المجرور على المبتدأ في قوله : أَمْ لَهُ الْبَناتُ فللاهتمام باسم الجلالة وقد أنهي الكلام بالفاصلة لأنه غرض مستقل . [ 40 ] [ سورة الطور ( 52 ) : آية 40 ] أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ ( 40 )