الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
81
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
من البشر لكان الأحقّ بالرسالة رجلا عظيما من عظماء قومهم كما حكى اللّه عنهم : أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ ص : 8 ] وقال تعالى : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] يعنون قرية مكة وقرية الطائف . والمعنى : إبطال أن يكون لهم تصرف في شؤون الربوبية فيجعلوا الأمور على مشيئتهم كالمالك في ملكه والمدبر فيما وكل عليه ، فالاستفهام إنكاري بتنزيلهم في إبطال النبوءة عمن لا يرضونه منزلة من عندهم خزائن اللّه يخلعون الخلع منها على من يشاءون ويمنعون من يشاءون . والخزائن : جمع خزينة وهي البيت ، أو الصندوق الذي تخزن فيه الأقوات ، أو المال وما هو نفيس عند خازنه ، وتقدم عند قوله تعالى : قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ [ يوسف : 55 ] . وهي هنا مستعارة لما في علم اللّه وإرادته من إعطاء الغير للمخلوقات ، ومنه اصطفاء من هيّأه من الناس لتبليغ الرسالة عنه إلى البشر ، وقد تقدم في سورة الأنعام [ 50 ] قوله : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ قال تعالى : وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته [ الأنعام : 124 ] . وقال : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ [ القصص : 68 ] . وقد سلك معهم هنا مسلك الإيجاز في الاستدلال بإحالتهم على مجمل أجمله قوله : أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ ، لأن المقام مقام غضب عليهم لجرأتهم على الرسول صلى اللّه عليه وسلم في نفي الرسالة عنه بوقاحة من قولهم : كاهن ، ومجنون ، وشاعر إلخ بخلاف آية الأنعام فإنها ردّت عليهم تعريضهم أنفسهم لنوال الرسالة عن اللّه . فقوله تعالى هنا : أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ هو كقوله في سورة ص [ 8 ، 9 ] أَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ * أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ وقوله في سورة الزخرف [ 32 ] أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ . وكلمة « عند » تستعمل كثيرا في معنى الملك والاختصاص كقوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [ الأنعام : 59 ] ، فالمعنى : أيملكون خزائن ربك ، أي الخزائن التي يملكها ربك كما اقتضته إضافة خَزائِنُ إلى رَبِّكَ على نحو أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى [ النجم : 35 ] . وقد عبر عن هذا باللفظ الحقيقي في قوله تعالى : قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ [ الإسراء : 100 ] .