الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
8
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عطفت بالفاء على الذاريات بمعنى الرياح لأنها ناشئة عنها فكأنها هي . و فَالْجارِياتِ يُسْراً : الرياح تجري بالسحاب بعد تراكمه وقد صار ثقيلا بماء المطر ، فالتقدير : فالجاري بذلك الوقر يسرا . ومعنى اليسر : اللين والهون ، أي الجاريات جريا ليّنا هيّنا شأن السير بالثقل ، كما قال الأعشى : كأنّ مشيتها من بيت جارتها * مشي السحابة لا ريث ولا ريث ولا عجل ف يُسْراً وصف لمصدر محذوف نصب على النيابة عن المفعول المطلق . و فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً الرياح التي تنتهي بالسحاب إلى الموضع الذي يبلغ عنده نزول ما في السحاب من الماء أو هي السحب التي تنزل ما فيها من المطر على مواضع مختلفة . وإسناد التقسيم إليها على المعنيين مجاز بالمشابهة . وروي عن الحسن فَالْمُقَسِّماتِ السحب بقسم اللّه بها أرزاق العباد » اه . يريد قوله تعالى : وأنزلنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً إلى قوله : رِزْقاً لِلْعِبادِ في سورة ق [ 9 - 11 ] . ومن رشاقة هذا التفسير أن فيه مناسبة بين المقسم به والمقسم عليه وهو قوله : إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ فإن أحوال الرياح المذكورة هنا مبدؤها : نفخ ، فتكوين ، فإحياء ، وكذلك البعث مبدؤه : نفخ في الصور ، فالتئام أجساد الناس التي كانت معدومة أو متفرقة ، فبثّ الأرواح فيها فإذا هم قيام ينظرون . وقد يكون قوله تعالى : أَمْراً إشارة إلى ما يقابله في المثال من أسباب الحياة وهو الروح لقوله : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : 85 ] . و ( ما ) من قوله : إِنَّما تُوعَدُونَ موصولة ، أي إن الذي توعدونه لصادق . والخطاب في تُوعَدُونَ للمشركين كما هو مقتضى التأكيد بالقسم وكما يقتضيه تعقيبه بقوله : إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [ الذاريات : 8 ] . فيتعين أن يكون تُوعَدُونَ مشتقا من الوعيد الذي ماضيه ( أوعد ) ، وهو يبنى للمجهول فأصل تُوعَدُونَ تؤوعدون بهمزة مفتوحة بعد تاء المضارعة وواو بعد الهمزة هي عين فعل ( أوعد ) وبفتح العين لأجل البناء المجهول فحذفت الهمزة على ما هو المطّرد من حذف همزة أفعل في المضارع مثل تكرمون ، وسكنت الواو سكونا ميتا لأجل وقوع الضمة قبلها بعد أن كان سكونها حيّا فصار تُوعَدُونَ ووزنه تفعلون .