الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

78

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يدركونها إذا سمعوها ولا تحيط قرائحهم بإيداعها في كلامهم . وقد بينا أصول الإعجاز في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير . ولام الأمر في فَلْيَأْتُوا مستعملة في أمر التعجيز كقوله حكاية عن قول إبراهيم فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ [ البقرة : 258 ] . وقوله : إِنْ كانُوا صادِقِينَ أي في زعمهم أنه تقوّله ، أي فإن لم يأتوا بكلام مثله فهم كاذبون . وهذا إلهاب لعزيمتهم ليأتوا بكلام مثل القرآن ليكون عدم إتيانهم بمثله حجة على كذبهم وقد أشعر نظم الكلام في قوله : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ الواقع موقعا شبيها بالتذييل والمختوم بكلمة الفاصلة ، أنه نهاية غرض وأن ما بعده شروع في غرض آخر كما تقدم في نظم قوله : قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ [ الطور : 31 ] . [ 35 ، 36 ] [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 35 إلى 36 ] أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ( 35 ) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ ( 36 ) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ . إضراب انتقالي إلى إبطال ضرب آخر من شبهتهم في إنكارهم البعث ، وقد علمت في أول السورة أن من أغراضها إثبات البعث والجزاء على أن ما جاء بعده من وصف يوم الجزاء وحال أهله قد اقتضته مناسبات نشأت عنها تلك التفاصيل ، فإذ وفّي حقّ ما اقتضته تلك المناسبات ثني عنان الكلام إلى الاستدلال على إمكان البعث وإبطال شبهتهم التي تعللوا بها من نحو قولهم : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً [ الإسراء : 49 ] . فكان قوله تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ الآيات أدلة على أن ما خلقه اللّه من بدء الخلق أعظم من إعادة خلق الإنسان . وهذا متصل بقوله آنفا إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ [ الطور : 7 ] لأن شبهتهم المقصود ردها بقوله : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ هي قولهم : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [ الإسراء : 49 ] ، ونحو ذلك . فحرف ( من ) في قوله : مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ يجوز أن يكون للابتداء ، فيكون معنى الاستفهام المقدر بعد ( أم ) تقريريا . والمعنى : أيقرّون أنهم خلقوا بعد أن كانوا عدما فكلما خلقوا من عدم في نشأتهم الأولى ينشئون من عدم في النشأة الآخرة ، وذلك إثبات لإمكان