الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

73

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

روى الطبري عن قتادة قال قائلون من الناس : تربصوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم الموت يكفيكموه كما كفاكم شاعر بني فلان وشاعر بني فلان ، ولم يعينوا اسم الشاعر ولا أنه كان يهجو كفار قريش . وعن الضحاك ومجاهد : أن قريشا اجتمعوا في دار الندوة فكثرت آراؤهم في محمد صلى اللّه عليه وسلم فقال بنو عبد الدار : هو شاعر تربصوا به ريب المنون ، فسيهلك كما هلك زهير والنابغة والأعشى ، فافترقوا على هذه المقالة ، فنزلت هذه الآية فحكت مقالتهم كما قالوها ، أي فليس في الكلام خصوص ارتباط بين دعوى أنه شاعر ، وبين تربص الموت به لأن ريب المنون يصيب الشاعر والكاهن والمجنون . وجاء يَقُولُونَ مضارعا للدّلالة على تجدد ذلك القول منهم . والتربص مبالغة في : الرّبص ، وهو الانتظار . والريب هنا : الحدثان ، وفسر بصرف الدهر ، وعن ابن عباس : ريب في القرآن شك إلا مكانا واحدا في الطور رَيْبَ الْمَنُونِ . والباء في بِهِ يجوز أن تكون للسبب ، أي بسببه ، أي نتربص لأجله فتكون الباء متعلقة ب نَتَرَبَّصُ ويجوز أن تكون للملابسة وتتعلق ب رَيْبَ الْمَنُونِ حالا منه مقدمة على صاحبها ، أي حلول ريب المنون به . والمنون : من أسماء الموت ومن أسماء الدهر ، ويذكّر . وقد فسر بكلا المعنيين ، فإذا فسر بالموت فإضافة رَيْبَ إليه بيانية ، أي الحدثان الذي هو الموت وإذا فسر المنون بالدهر فالإضافة على أصلها ، أي أحداث الدهر من مثل موت أو خروج من البلد أو رجوع عن دعوته ، فريب المنون جنس وقد ذكروا في مقالتهم قولهم : فسيهلك ، فاحتملت أن يكونوا أرادوه بيان ريب الموت أو إن أرادوه مثالا لريب الدهر ، وكلا الاحتمالين جار في الآية لأنها حكت مقالتهم . وقد ورد رَيْبَ الْمَنُونِ في كلام العرب بالمعنيين ؛ فمن وروده في معنى الموت قول أبي ذؤيب : أمن المنون وريبها تتوجع * والدهر ليس بمعتب من يجزع ومن وروده بمعنى حدثان الدهر قول الأعشى : أإن رأت رجلا أعشى أضرّ به * ريب المنون ودهر متبل خبل أراد أضرّ بذاته حدثان الدهر ، ولم يرد إصابة الموت كما أراد أبو ذؤيب .