الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
66
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقد ذكر اللّه تعالى نزع موسى عليه السلام لا بنتي شعيب لما رأى انقباضهما عن الاندماج في الرعاء . وذكر النبي صلى اللّه عليه وسلم في رؤياه نزعه على القليب ثم نزع أبي بكر رضي اللّه عنه ثم نزع عمر رضي اللّه عنه . ثم استعير أو جعل مجازا عن المداولة والمعاورة في مناولة أكؤس الشراب ، قال الأعشى : نازعتهم قضب الريحان متكئا * وخمرة مزّة راووقها خضل والمعنى : أن بعضهم يصبّ لبعض الخمر ويناوله إيثارا وكرامة . وقيل : تنازعهم الكأس مجاذبة بعضهم كأس بعض إلى نفسه للمداعبة كما قال امرؤ القيس في المداعبة على الطعام : فظل العذارى يرتمين بلحمها * وشحم كهدّاب الدمقس المفتّل والكأس : إناء تشرب فيه الخمر لا عروة له ولا خرطوم ، وهو مؤنث ، فيجوز أن يكون هنا مرادا به الإناء المعروف ومرادا به الجنس ، وتقدم قوله في سورة الصافات [ 45 ] يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ، وليس المراد أنهم يشربون في كأس واحدة بأخذ أحدهم من آخر كأسه . ويجوز أن يراد بالكأس الخمر ، وهو من إطلاق اسم المحل على الحالّ مثل قولهم : سال الوادي وكما قال الأعشى : نازعتهم قضب الريحان ( البيت السابق آنفا ) . وجملة لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ يجوز أن تكون صفة ل « كأس » وضمير لا لَغْوٌ فِيها عائدا إلى « كأس » ووصف الكأس ب لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ . إن فهم الكأس بمعنى الإناء المعروف فهو على تقدير : لا لغو ولا تأثيم يصاحبها ، فإن ( في ) للظرفية المجازية التي تؤوّل بالملابسة ، كقوله تعالى : وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ [ الحج : 78 ] وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ففيهما - أي والديك - فجاهد » ، أي جاهد ببرهما ، أو تأوّل ( في ) بمعنى التعليل كقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « دخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت جوعا » . وإن فهم الكأس مرادا به الخمر كانت ( في ) مستعارة للسببية ، أي لا لغو يقع بسبب شربها . والمعنى على كلا الوجهين أنها لا يخالط شاربيها اللغو والإثم بالسباب والضرب ونحوه ، أي أن الخمر التي استعملت الكأس لها ليست كخمور الدنيا ، ويجوز أن تكون جملة لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ مستأنفة ناشئة عن جملة يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً ، ويكون ضمير فِيها عائدا إلى جَنَّاتٍ من قوله : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ [ الطور : 17 ] مثل