الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

60

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يتساءل عن حال أضدادهم وهم الفريق الذين صدقوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم فيما جاء به القرآن وخاصة إذ كان السامعون المؤمنين وعادة القرآن تعقيب الإنذار بالتبشير وعكسه ، والجملة معترضة بين ما قبلها وجملة أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ [ الطور : 30 ] . وتأكيد الخبر ب ( إن ) للاهتمام به وتنكير جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ لتعظيم ، أي في أيّة جنات وأيّ نعيم . وجمع جَنَّاتٍ تقدم في سورة الذاريات . والفاكه : وصف من فكه كفرح ، إذا طابت نفسه وسرّ . وقرأ الجمهور فاكِهِينَ بصيغة اسم الفاعل ، وقرأه أبو جعفر فَكِهِينَ بدون ألف . والباء في بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ للسببية ، والمعنى : أن ربهم أرضاهم بما يحبون . واستحضار الجلالة بوصف رَبُّهُمْ للإشارة إلى عظيم ما آتاهم إذ العطاء يناسب حال المعطي ، وفي إضافة ( رب ) إلى ضميرهم تقريب لهم وتعظيم وجملة وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ في موضع الحال ، والواو حالية ، أو عاطفة على فاكِهِينَ الذي هو حال ، والتقدير : وقد وقاهم ربهم عذاب الجحيم ، وهو حال من المتقين . والمقصود من ذكر هذه الحالة : إظهار التباين بين حال المتقين وحال المكذبين زيادة في الامتنان فإن النعمة تزداد حسن وقع في النفس عند ملاحظة ضدها . وفيه أيضا أن وقايتهم عذاب الجحيم عدل ، لأنهم لم يقترفوا ما يوجب العقاب . وأما ما أعطوه من النعيم فذلك فضل من اللّه وإكرام منه لهم . وفي قوله : رَبُّهُمْ ما تقدم قبيله . وجملة كُلُوا وَاشْرَبُوا إلى آخرها مقول قول محذوف في موضع الحال أيضا ، تقديره : يقال لهم ، أو مقولا لهم . وهذا القول مقابل ما يقال للمكذبين اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الطور : 16 ] . وحذف مفعول كُلُوا وَاشْرَبُوا لإفادة النعيم ، أي كلوا كل ما يؤكل واشربوا كلّ ما يشرب ، وهو عموم عرفي ، أي مما تشتهون . و هَنِيئاً اسم على وزن فعيل بمعنى مفعول وقع وصفا لمصدرين لفعلي كُلُوا