الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

56

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وحذف متعلق لَواقِعٌ ، وتقديره : على المكذبين ، أو بالمكذبين ، كما دل عليه قوله بعد فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ [ الطور : 11 ] ، أي المكذبين بك بقرينة إضافة رب إلى ضمير المخاطب المشعر بأنه معذبهم لأنه ربك وهم كذّبوك فقد كذبوا رسالة الرب . وتضمن قوله : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ إثبات البعث بعد كون الكلام وعيدا لهم على إنكار البعث وإنكارهم أن يكونوا معذبين . وأتبع قوله : لَواقِعٌ بقوله : ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ، وهو خبر ثان عن عَذابَ أو حال منه ، أي : ما للعذاب دافع يدفعه عنهم . والدفع : إبعاد الشيء عن شيء باليد وأطلق هنا على الوقاية مجازا بعلاقة الإطلاق ألا يقيهم من عذاب اللّه أحد بشفاعة أو معارضة . وزيدت مِنْ في النفي لتحقيق عموم النفي وشموله ، أي نفي جنس الدافع . روى أحمد بن حنبل عن جبير بن مطعم قال : « قدمت المدينة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأكلمه في أسارى بدر فدفعت إليه وهو يصلّي بأصحابه صلاة المغرب فسمعته يقرأ وَالطُّورِ إلى إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ * ما لَهُ مِنْ دافِعٍ فكأنما صدع قلبي » ، وفي رواية « فأسلمت خوفا من نزول العذاب وما كنت أظن أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب » . [ 9 - 12 ] [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 9 إلى 12 ] يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً ( 9 ) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً ( 10 ) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ( 12 ) يجوز أن يتعلق يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ بقوله : لَواقِعٌ [ الذاريات : 7 ] على أنه ظرف له فيكون قوله : فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ تفريعا على الجملة كلها ويكون العذاب عذاب الآخرة . ويجوز أن يكون الكلام قد تم عند قوله : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ [ الذاريات : 7 ] ، فيكون يَوْمَ متعلقا بالكون الذي بين المبتدأ والخبر في قوله : فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وقدم الظرف على عامله للاهتمام ، فلما قدم الظرف اكتسب معنى الشرطية وهو استعمال متبع في الظروف والمجرورات التي تقدم على عواملها فلذلك قرنت الجملة بعده بالفاء على تقدير : إن حلّ ذلك اليوم فويل للمكذبين . وقوله : يَوْمَئِذٍ على هذا الوجه أريد به التأكيد للظرف فحصل تحقيق الخبر