الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

49

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والكلام تمثيل لهيئة تساوي حظ الذين ظلموا من العرب بحظوظ الذين ظلموا من الأمم السالفة بهيئة الذين يستقون من قليب واحد إذ يتساوون في أنصبائهم من الماء ، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس ، وأطلق على الأمم الماضية اسم وصف أصحاب الذين ظلموا باعتبار الهيئة المشبه بها إذ هي هيئة جماعات الورد يكونون متصاحبين . وهذا التمثيل قابل للتوزيع بأنه يشبّه المشركون بجماعة وردت على الماء ، وتشبه الأمم الماضية بجماعة سبقتهم للماء ، ويشبه نصيب كل جماعة بالدلو التي يأخذونها من الماء . قال علقمة بن عبدة يمدح الملك الحارث بن أبي شمر ، ويشفع عنده لأخيه شأس بن عبدة وكان قد وقع في أسره مع بني تميم يوم عين أباغ : وفي كل حي قد خبطت بنعمة * فحقّ لشأس من نداك ذنوب فلما سمعه الملك قال : « نعم وأذنبة » وأطلق له أخاه شأس بن عبدة ومن معه من أسرى تميم ، وهذا تسلية لنبي صلى اللّه عليه وسلم والمقصود : أن يسمعه المشركون فهو تعريض ، وبهذا الاعتبار أكد الخبر ب ( إنّ ) لأنهم كانوا مكذبين بالوعيد ، ولذلك فرع على التأكيد قال : فَلا يَسْتَعْجِلُونِ لأنهم كانوا يستعجلون بالعذاب استهزاء وإشعارا بأنه وعد مكذوب في الواقع يستعجلون اللّه تعالى بوعيده . وعدّي الاستعجال إلى ضمير الجلالة وهم إنما استعجلوه النبي صلى اللّه عليه وسلم لإظهار أن النبي صلى اللّه عليه وسلم مخبر عن اللّه تعالى توبيخا لهم وإنذارا بالوعيد . وحذفت ياء المتكلم للتخفيف . والنهي مستعمل في التهكم إظهارا لغضب اللّه عليهم . [ 60 ] [ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 60 ] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 60 ) فرع على وعيدهم إنذار آخر بالويل ، أو إنشاء زجر . والويل : الشر وسوء الحال ، وتقدم في قوله : فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ في سورة البقرة [ 79 ] ، وتنكيره للتعظيم . والكلام يحتمل الإخبار بحصول ويل ، أي عذاب وسوء حال لهم يوم أوعدوا به ، ويحتمل إنشاء الزجر والتعجيب من سوء حالهم في يوم أوعدوه . و ( من ) للابتداء المجازي ، أي سوء حال بترقبهم عذابا آتيا من اليوم الذي أعدوه .