الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

44

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ الذاريات : 52 ] الآية التي هي ناشئة عن قوله : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إلى وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ [ الذاريات : 50 ، 51 ] عطف الغرض على الغرض لوجود المناسبة . فبعد أن نظّر حالهم بحال الأمم التي صممت على التكذيب من قبلهم أعقبه بذكر شنيع حالهم من الانحراف عما خلقوا لأجله وغرز فيهم . فقوله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ خبر مستعمل في التعريض بالمشركين الذين انحرفوا عن الفطرة التي خلقوا عليها فخالفوا سنتها اتباعا لتضليل المضلين . والجن : جنس من المخلوقات مستتر عن أعين الناس وهو جنس شامل للشياطين قال تعالى عن إبليس : كانَ مِنَ الْجِنِّ [ الكهف : 50 ] . والإنس : اسم جمع واحده إنسي بياء النسبة إلى اسم جمعه . والمقصود من هذا الإخبار هو الإنس وإنما ذكر الجن إدماجا وستعرف وجه ذلك . والاستثناء مفرغ من علل محذوفة عامة على طريقة الاستثناء المفرغ . واللام في لِيَعْبُدُونِ لام العلة ، أي ما خلقتهم لعلة إلا علة عبادتهم إياي . والتقدير : لإرادتي أن يعبدون ، ويدل على هذا التقدير قوله في جملة البيان : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . وهذا التقدير يلاحظ في كل لام ترد في القرآن تعليلا لفعل اللّه تعالى ، أي ما أرضى لوجودهم إلا أن يعترفوا لي بالتفرد بالإلهية . فمعنى الإرادة هنا : الرضى والمحبة ، وليس معناها الصفة الإلهية التي تخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم ، التي اشتق منها اسمه تعالى : « المريد » لأن إطلاق الإرادة على ذلك إطلاق آخر ، فليس المراد هنا تعليل تصرفات الخلق الناشئة عن اكتسابهم على اصطلاح الأشاعرة ، أو عن قدرتهم على اصطلاح المعتزلة على تقارب ما بين الاصطلاحين لظهور أن تصرفات الخلق قد تكون مناقضة لإرادة اللّه منهم بمعنى الإرادة الصفة ، فاللّه تعالى خلق الناس على تركيب يقتضي النظر في وجود الإله ويسوق إلى توحيده ولكن كسب الناس يجرّف أعمالهم عن المهيع الذي خلقوا لأجله ، وأسباب تمكّنهم من الانحراف كثيرة راجعة إلى تشابك الدواعي والتصرفات والآلات والموانع .