الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

41

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

قَبْلِهِمْ عائد إلى مشركي العرب الحاضرين . وزيادة مِنْ في قوله : مِنْ رَسُولٍ للتنصيص على إرادة العموم ، أي أن كل رسول قال فيه فريق من قومه : هو ساحر ، أو مجنون ، أي قال بعضهم : ساحر ، وقال بعضهم : مجنون ، مثل قوم نوح دون السحر إذ لم يكن السحر معروفا في زمانهم قالوا : إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [ المؤمنون : 25 ] . وقد يجمعون القولين مثل قول فرعون في موسى . وهذا العموم يفيد أنه لم يخل قوم من الأقوام المذكورين إلا قالوا لرسولهم أحد القولين ، وما حكي ذلك عن بعضهم في آيات أخرى بلفظه أو بمرادفه كقول قوم هود إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ [ هود : 54 ] . وأول الرسل هو نوح كما هو صريح الحديث الصحيح في الشفاعة . فلا يرد أن آدم لم يكذبه أهله ، وأن أنبياء بني إسرائيل مثل يوشع وأشعيا ، لم يكذبهم قومهم ، لأن اللّه قال : مِنْ رَسُولٍ ، والرسول أخص من النبي . والاستثناء في إِلَّا قالُوا ساحِرٌ استثناء من أحوال محذوفة . والمعنى : ما أتى الذين من قبلهم من رسول في حال من أحوال أقوالهم إلا في حال قولهم : ساحر أو مجنون . والقصر المستفاد من الاستثناء قصر ادعائي لأن للأمم أقوالا غير ذلك وأحوالا أخرى ، وإنما قصروا على هذا اهتماما بذكر هذه الحالة العجيبة من البهتان ، إذ يرمون أعقل الناس بالجنون وأقومهم بالسحر . وإسناد القول إلى ضمير الذين من قبل مشركي العرب الحاضرين إسناد باعتبار أنه قول أكثرهم فإن الأمور التي تنسب إلى الأقوام والقبائل تجري على اعتبار الغالب . [ 53 ] [ سورة الذاريات ( 51 ) : آية 53 ] أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 53 ) الاستفهام مستعمل في التعجيب من تواطئهم على هذا القول على طريقة التشبيه البليغ ، أي كأنهم أوصى بعضهم بعضا بأن يقولوه . فالاستفهام هنا كناية عن لازمه وهو التعجيب لأن شأن الأمر العجيب أن يسأل عنه . والجملة استئناف بياني لأن تماثل هؤلاء الأمم في مقالة التكذيب يثير سؤال سائل