الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
383
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المطلق المبين للنوع . والمعنى : ما حفظوا شؤون الرهبانية حفظا كاملا فمصبّ النفي هو القيد بوصف حَقَّ رِعايَتِها . وهذا الانتفاء له مراتب كثيرة ، والكلام مسوق مساق اللوم على تقصيرهم فيما التزموه أو نذروه ، وذلك تقهقر عن مراتب الكمال وإنما ينبغي للمتقي أن يكون مزدادا من الكمال . و قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أحب الدين إلى اللّه أدومه » . وقوله : فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ تفريع على جملة وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ إلى آخره وما بينهما استطراد . والمراد ب الَّذِينَ آمَنُوا المتصفون بالإيمان المصطلح عليه في القرآن ، وهو توحيد اللّه تعالى والإيمان برسله في كل زمان ، أي فآتينا الذين آمنوا من الذين اتبعوه أجرهم ، أي الذين لم يخلطوا متابعتهم إياه بما يفسدها مثل الذين اعتقدوا إلهية عيسى عليه السلام أو بنوته للّه ، ونحوهم من النصارى الذين أدخلوا في الدين ما هو مناقض لقواعده وهم كثير من النصارى كما قال : وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ . والمراد بالفسق : الكفر وهذا ثناء على المؤمنين الصادقين ممن مضوا من النصارى قبل البعثة المحمدية وبلوغ دعوتها إلى النصارى ، وادعاؤهم أنهم أتباع المسيح باطل لأنهم ما اتبعوه إلا في الصورة والذين أفسدوا إيمانهم بنقض حصوله هم المراد بقوله تعالى : وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ، أي وكثير من الذين التزموا دينه خارجون عن الإيمان ، فالمراد بالفسق ما يشمل الكفر وما دونه مثل الذين بدلوا الكتاب واستخفوا بشرائعه كما قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ التوبة : 34 ] . [ 28 ] [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 28 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 28 ) الغالب في القرآن أن الذين آمنوا لقب للمؤمنين بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ولكن لما وقع يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هنا عقب قوله : فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [ الحديد : 27 ] ، أي من الذين