الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
380
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فالراهب يمتنع من التزوج خيفة أن تشغله زوجه عن عبادته ، ويمتنع من مخالطة الأصحاب خشية أن يلهوه عن العبادة ، ويترك لذائذ المآكل والملابس خشية أن يقع في اكتساب المال الحرام ، ولأنهم أرادوا التشبه بعيسى عليه السلام في الزهد في الدنيا وترك التزوج ، فلذلك قال اللّه تعالى : ابْتَدَعُوها ، أي أحدثوها فإن الابتداع الإتيان بالبدعة والبدع وهو ما لم يكن معروفا ، أي أحدثوها بعد رسولهم فإن البدعة ما كان محدثا بعد صاحب الشريعة . ونصب رَهْبانِيَّةً على طريقة الاشتغال . والتقدير : وابتدعوا رهبانية وليس معطوفا على رَأْفَةً وَرَحْمَةً لأن هذه الرهبانية لم تكن مما شرع اللّه لهم فلا يستقيم كونها مفعولا ل جَعَلْنا ، ولأن الرهبانية عمل لا يتعلق بالقلوب وفعل جَعَلْنا مقيد ب فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فتكون مفعولاته مقيدة بذلك ، إلا أن يتأول جعلها في القلوب بجعل حبها كقوله تعالى : وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [ البقرة : 93 ] . وعلى اختيار هذا الإعراب مضى المحققون مثل أبي علي الفارسي والزجاج والزمخشري والقرطبي . وجوز الزمخشري أن يكون عطفا على رَأْفَةً وَرَحْمَةً . واتهم ابن عطية هذا الإعراب بأنه إعراب المعتزلة فقال : « والمعتزلة تعرب رَهْبانِيَّةً أنها نصب بإضمار فعل يفسره ابْتَدَعُوها ويذهبون في ذلك إلى أن الإنسان يخلق أفعاله فيعربون الآية على هذا » اه . وليس في هذا الإعراب حجة لهم ولا في إبطاله نفع لمخالفتهم كما علمت . وإنما عطفت هذه الجملة على جملة وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ لاشتراك مضمون الجملتين في أنه من الفضائل المراد بها رضوان اللّه . والمعنى : وابتدعوا لأنفسهم رهبانية ما شرعناها لهم ولكنهم ابتغوا بها رضوان اللّه فقبلها اللّه منهم لأن سياق حكاية ذلك عنهم يقتضي الثناء عليهم في أحوالهم . وضمير الرفع من ابتدعوها عائد إلى الذين اتبعوا عيسى . والمعنى : أنهم ابتدعوا العمل بها فلا يلزم أن يكون جميعهم اخترع أسلوب الرهبانية ولكن قد يكون بعضهم سنها وتابعه بقيتهم . والذين اتبعوه صادق على من أخذوا بالنصرانية كلهم ، وأعظم مراتبهم هم الذين اهتدوا بسيرته اهتداء كاملا وانقطعوا لها وهم القائمون بالعبادة .