الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

376

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالمعروف على السكوت ، فإن ذلك تحريف لما أراد اللّه من وضع الأشياء النافعة والقارة ، قال تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ [ البقرة : 205 ] ، وقال على لسان أحد رسله إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [ هود : 88 ] . وقد أومأ إلى هذا المعنى بالإجمال قوله : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ، أي ليظهر للناس أثر علم اللّه بمن ينصره ، فأطلق فعل لِيَعْلَمَ على معنى ظهور أثر العلم كقول إياس بن قبيصة الطائي : وأقبلت والخطي يخطر بيننا * لأعلم من جبانها من شجاعها أي ليظهر للناس الجبان والشجاع ، أي فيعلموا أني شجاعهم . ونصر الناس اللّه هو نصرهم دينه ، وأما اللّه فغني عن النصر ، وعطف وَرُسُلَهُ ، أي من ينصر القائمين بدينه ، ويدخل فيه نصر شرائع الرسول صلى اللّه عليه وسلم بعده ونصر ولاة أمور المسلمين القائمين بالحق . وأعظم رجل نصر دين اللّه بعد وفاة رسوله صلى اللّه عليه وسلم هو أبو بكر الصديق في قتاله أهل الردة رضي اللّه عنه . وقوله : بِالْغَيْبِ يتعلق ب يَنْصُرُهُ ، أي ينصره نصرا يدفعه إليه داعي نفسه دون خشية داع يدعوه إليه ، أو رقيب يرقب صنيعه والمعنى : أنه يجاهد في سبيل اللّه والدفاع عن الدين بمحض الإخلاص . وقد تقدم ذكر الحديد ومعدنه وصناعته في تفسير قوله تعالى : آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ في سورة الكهف [ 96 ] . وجملة إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ تعليل لجملة أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ إلى آخرها ، أي لأن اللّه قوي عزيز في شؤونه القدسية ، فكذلك يجب أن تكون رسله أقوياء أعزة ، وأن تكون كتبه معظمة موقرة ، وإنما يحصل ذلك في هذا العالم المنوطة أحداثه بالأسباب المجعولة بأن ينصره الرسل وأقوام مخلصون للّه ويعينوا على نشر دينه وشرائعه . والقوي العزيز : من أسمائه تعالى . فالقوي : المتصف بالقوة ، قال تعالى : ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات : 58 ] وتقدم القوي في قوله : إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ [ الأنفال : 52 ] . والعزيز : المتصف بالعزة ، وتقدمت في قوله : إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً في سورة يونس وقوله : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ البقرة : 209 ] .