الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
371
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بخروجه عن مكنته ، فإذا رسخ ذلك في علم أحد لم يحزن على ما فاته مما لا يستطيع دفعه ولم يغفل عن ترقب زوال ما يسره إذا كان مما يسره ، ومن لم يتخلق بخلق الإسلام يتخبط في الجوع إذا أصابه مصاب ويستطار خيلاء وتطاولا إذا ناله أمر محبوب فيخرج عن الحكمة في الحالين . والمقصود من هذا التنبيه على أن المفرحات صائرة إلى زوال وأن زوالها مصيبة . واعلم أن هذا مقام المؤمن من الأدب بعد حلول المصيبة وعند نوال الرغيبة . وصلة الموصول في بِما آتاكُمْ مشعرة بأنه نعمة نافعة ، وفيه تنبيه على أن مقام المؤمن من الأدب بعد حلول المصيبة وعند انهيال الرغيبة ، هو أن لا يحزن على ما فات ولا يبطر بما ناله من خيرات ، وليس معنى ذلك أن يترك السعي لنوال الخير واتقاء الشر قائلا : إن اللّه كتب الأمور كلها في الأزل ، لأن هذا إقدام على إفساد ما فطر عليه الناس وأقام عليه نظام العالم . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم للذين قالوا أفلا نتّكل « اعملوا فكل ميسّر لما خلق له » . وقوله : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ تحذير من الفرح الواقع في سياق تعليل الأخبار بأن كل ما ينال المرء ثابت في كتاب ، وفيه بيان للمراد من الفرح أنه الفرح المفرط البالغ بصاحبه إلى الاختيال والفخر . والمعنى : واللّه لا يحب أحدا مختالا وفخورا ولا تتوهم أن موقع ( كل ) بعد النفي يفيد النفي عن المجموع لا عن كل فرد لأن ذلك ليس مما يقصده أهل اللسان ، ووقع للشيخ عبد القاهر ومتابعيه توهم فيه ، وقد تقدم عند قوله تعالى : وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ في سورة البقرة [ 276 ] ونبهت عليه في تعليقي على دلائل الإعجاز . وقرأ الجمهور آتاكُمْ بمدّ بعد الهمزة محول عن همزة ثانية هي فاء الكلمة ، أي ما جعله آتيا لكم ، أي حاصلا عندكم ، فالهمزة الأولى للتعدية إلى مفعول ثان ، والتقدير : بما آتاكموه . والإتيان هنا أصله مجاز وغلب استعماله حتى ساوى الحقيقة ، وعلى هذه القراءة فعائد الموصول محذوف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل ، والتقدير : بما آتاكموه ، وفيه إدماج المنة مع الموعظة تذكيرا بأن الخيرات من فضل اللّه . وقرأه أبو عمرو وحده بهمزة واحدة على أنه من ( أتى ) ، إذا حصل ، فعائد الموصول هو الضمير المستتر المرفوع ب ( آتى ) ، وفي هذه القراءة مقابلة آتاكُمْ ب ( فاتكم ) وهو محسن الطباق ففي كلتا القراءتين محسّن .