الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

369

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ما سيرها عليه نظام جميع الكائنات في هذا العالم كما أشار إليه قوله تعالى : إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [ الحديد : 22 ] كما ستعلمه ، فلم يملكهم الغم والحزن ، وانتقلوا عن ذلك إلى الإقبال على ما يهمهم من الأمور ولم يلهمهم التحرق على ما فات على نحو ما وقع في قوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [ البقرة : 154 - 156 ] ، ولعل المسلمين قد أصابتهم شدة في إحدى المغازي أو حبس مطر أو نحو ذلكم مما كان سبب نزول هذه الآية . و ( ما ) نافية و ( من ) زائدة في النفي للدلالة على نفي الجنس قصدا للعموم . ومفعول أَصابَ محذوف تقديره : ما أصابكم أو ما أصاب أحدا . وقوله : فِي الْأَرْضِ إشارة إلى المصائب العامة كالقحط وفيضان السيول وموتان الأنعام وتلف الأموال . وقوله : وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إشارة إلى المصائب اللاحقة لذوات الناس من الأمراض وقطع الأعضاء والأسر في الحرب وموت الأحباب وموت المرء نفسه فقد سماه اللّه مصيبة في قوله : فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ [ المائدة : 106 ] . وتكرير حرف النفي في المعطوف على المنفي في قوله : وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ لقصد الاهتمام بذلك المذكور بخصوصه فإن المصائب الخاصة بالنفس أشد وقعا على المصاب ، فإن المصائب العامة إذا أخطأته فإنما يتأثر لها تأثرا بالتعقل لا بالحسّ فلا تدوم ملاحظة النفس إياه . والاستثناء في قوله : إِلَّا فِي كِتابٍ استثناء من أحوال منفية ب ( ما ) ، إذ التقدير : ما أصاب من مصيبة في الأرض كائنة في حال إلا في حال كونها مكتوبة في كتاب ، أي مثبتة فيه . والكتاب : مجاز عن علم اللّه تعالى ووجه المشابهة عدم قبوله التبديل والتغيير والتخلف ، قال الحارث بن حلزة : حذر الجور والتطاخي وهل * ينقض ما في المهارق الأهواء ومن ذلك علمه وتقديره لأسباب حصولها ووقت خلقها وترتب آثارها والقصر المفاد ب ( إلّا ) قصر موصوف على صفة وهو قصر إضافي ، أي إلا في حال كونها في كتاب دون عدم سبق تقديرها في علم اللّه ردّا على اعتقاد المشركين والمنافقين المذكور في قوله