الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
342
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمضاعفة : مماثلة المقدار ، فالمعنى : يعطيه مثلي قرضه . والمراد هنا مضاعفته أضعافا كثيرة كما قال : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ الآية في سورة البقرة [ 261 ] . وقال : مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [ البقرة : 245 ] . وضمير النصب في فَيُضاعِفَهُ عائد إلى القرض الحسن ، والكلام على حذف مضاف تقديره : فيضاعف جزاءه له . لأن القرض هنا تمثيل بحال السلف المتعارف بين الناس فيكون تضعيفه مثل تضعيف مال السلف وذلك قبل تحريم الربا . والأجر : ما زاد على قضاء القرض من عطية يسديها المستسلف إلى من سلفه عندما يجد سعة ، وهو الذي قال فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « خيركم أحسنكم قضاء » ، وقال تعالى : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 40 ] . والظاهر أن هذا الأجر هو المغفرة كما في قوله تعالى : إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ في سورة التغابن [ 17 ] . وهذا يشمل الإنفاق في الصدقات قال تعالى : إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [ الحديد : 18 ] ، وهو ما فسره قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « والصدقة تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار » ، أي زيادة على مضاعفتها مثل الحسنات كلها . [ 12 ] [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 12 ] يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) لما كان معلوما أن مضاعفة الثواب وإعطاء الأجر يكون في يوم الجزاء ، ترجح أن يكون قوله : يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ منصوبا بفعل محذوف تقديره : اذكر تنويها بما يحصل في ذلك اليوم من ثواب للمؤمنين والمؤمنات ومن حرمان للمنافقين والمنافقات ، ولذلك كرر يَوْمَ ليختصّ كل فريق بذكر ما هو من شؤونه في ذلك اليوم . وعلى هذا فالجملة متصلة بالتي قبلها بسبب هذا التعلق ، على أنه في نظم الكلام يصح جعله ظرفا متعلقا ب فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [ الحديد : 11 ] على طريقة التخلص لذكر ما يجري في ذلك اليوم من الخيرات لأهلها ومن الشر لأهله . وعلى الوجه الأول فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا لمناسبة ذكر أجر المنفقين فعقب