الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

336

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ سورة الحديد ( 57 ) : آية 9 ] هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 9 ) استئناف ثالث انتقل به الخطاب إلى المؤمنين ، فهذه الآية يظهر أنها مبدأ الآيات المدنية في هذه السورة ويزيد ذلك وضوحا عطف قوله : وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ الحديد : 10 ] الآيات كما سيأتي قريبا . والخطاب هنا وإن كان صالحا لتقرير ما أفادته جملة وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ [ الحديد : 8 ] ولكن أسلوب النظم وما عطف على هذه الجملة يقتضيان أن تكون استئنافا انتقاليا هو من حسن التخلص إلى خطاب المسلمين ، ولا تفوته الدلالة على تقرير ما قبله لأن التقرير يحصل من انتساب المعنيين : معنى الجملة السابقة ، ومعنى هذه الجملة الموالية . فهذه الجملة بموقعها ومعناها وعلتها وما عطف عليها أفادت بيانا وتأكيدا وتعليلا وتذييلا وتخلصا لغرض جديد ، وهي أغراض جمعتها جمعا بلغ حد الإعجاز في الإيجاز ، مع أن كل جملة منها مستقلة بمعنى عظيم من الاستدلال والتذكير والإرشاد والامتنان . والرؤوف : من أمثلة المبالغة في الاتصاف بالرأفة وهي كراهية إصابة الغير بضر . والرحيم : من الرحمة وهي محبة إيصال الخير إلى الغير . وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم لَرَؤُفٌ بواو بعد الهمزة على اللغة المشهورة . وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بدون واو بعد الهمزة وهي لغة ولعلها تخفيف ، قال جرير : يرى للمسلمين عليه حقا * كفعل الوالد الرّءوف الرحيم وتأكيد الخبر ب إِنَّ واللام في قوله : وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ لأن المشركين في إعراضهم عن دعوة الإسلام قد حسبوها إساءة لهم ولآبائهم وآلهتهم ، فقد قالوا : أَ هذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [ الفرقان : 41 ، 42 ] . وهذا يرجح أن قوله تعالى : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [ الحديد : 7 ] إلى هنا مكّي . فإن كانت الآية مدنيّة فلأن المنافقين كانوا على تلك الحالة . [ 10 ]