الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

334

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ [ التوبة : 67 ] ، فهم إذا سمعوا الخطاب علموا أنهم المقصود على نحو ما في آيات سورة براءة ، ولكن يظهر أن سنة غزوة تبوك لم يبق عندها من المنافقين عدد يعتد به فيوجه إليه خطاب كهذا . وجيء بالموصول في قوله : مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ دون أن يقول : وأنفقوا من أموالكم أو مما رزقكم اللّه لما في صلة الموصول من التنبيه على غفلة السامعين عن كون المال للّه جعل الناس كالخلائف عنه في التصرف فيه مدة ما ، فلما أمرهم بالإنفاق منها على عباده كان حقا عليهم أن يمتثلوا لذلك كما يمتثل الخازن أمر صاحب المال إذا أمره بإنفاذ شيء منه إلى من يعيّنه . والسين والتاء في مُسْتَخْلَفِينَ للمبالغة في حصول الفعل لا للطلب لاستفادة الطلب من فعل جَعَلَكُمْ . ويجوز أن تكون لتأكيد الطلب . والفاء في قوله : فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ تفريع وتسبب على الأمر بالإيمان والإنفاق لإفادة تعليله كأنه قيل لأن الذين آمنوا وأنفقوا أعددنا لهم أجرا كبيرا . والمعنى على وجه كون الآية مكية : أن الذين آمنوا من بينكم وأنفقوا ، أي سبقوكم بالإيمان والإنفاق لهم أجر كبير ، أي فاغتنموه وتداركوا ما فاتوكم به . و ( من ) للتبعيض ، أي الذين آمنوا وهم بعض قومكم . وفي هذا إغراء لهم بأن يماثلوهم . ويجوز أن يكون فعلا المضيّ في قوله : فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا مستعملان في معنى المضارع للتنبيه عن إيقاع ذلك . [ 8 ] [ سورة الحديد ( 57 ) : آية 8 ] وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) ظاهر استعمال أمثال قوله : وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ أن يكون استفهاما مستعملا في التوبيخ والتعجيب ، وهو الذي يناسب كون الأمر في قوله : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مستعملا في الطلب لا في الدوام . وتكون جملة لا تُؤْمِنُونَ حالا من الضمير المستتر في الكون المتعلق به الجار