الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

327

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ويستلزم ذلك انفراده تعالى بصفة الوجود لأنه لو كان غير اللّه واجبا وجوده لما كان اللّه موصوفا بالأولية ، فالموجودات غير اللّه ممكنة ، والممكن لا يتصف بالأولية المطلقة ، فلذلك تثبت له الوحدانية ، ثم هذه الأولية في الوجود تقتضي أن تثبت للّه جميع صفات الكمال اقتضاء عقليا بطريق الالتزام البيّن بالمعنى الأعمّ وهو الذي يلزم من تصور ملزومه وتصوّره الجزم بالملازمة بينهما . وأما وصف الْآخِرُ فهو ضد الأول ، فأصله : هو المسبوق بموصوف بصفة متحدث عنها في الكلام أو مشار إليها فيه بما يذكر من متعلق به ، أو تمييزه ، على نحو ما تقدم في قوله : هُوَ الْأَوَّلُ كقوله تعالى : حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ [ الأعراف : 38 ] أي أخراهم في الادّراك في النار ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « آخر أهل الجنة دخولا الجنة . . . » إلخ ، وقول الحريري في المقامة الثانية « وجلس في أخريات الناس » ، أي الجماعات الأخريات في الجلوس ، وهو وصف نسبيّ . ووصف اللّه تعالى بأنه الْآخِرُ بعد وصفه بأنه الْأَوَّلُ مع كون الوصفين متضادّين يقتضي انفكاك جهتي الأولية والآخرية ، فلما تقرر أن كونه الأول متعلق بوجود الموجودات اقتضى أن يكون وصفه ب الْآخِرُ متعلقا بانتقاض ذلك الوجود ، أي هو الآخر بعد جميع موجودات السماء والأرض ، وهو معنى قوله تعالى : نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [ مريم : 40 ] وقوله : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] . فتقدير المعنى : والآخر في ذلك أي في استمرار الوجود الذي تقرر بوصفه بأنه الأول . وليس في هذا إشعار بأنه زائل ينتابه العدم ، إذ لا يشعر وصف الآخر بالزوال لا مطابقة ولا التزاما ، وهذا هو صفة البقاء في اصطلاح المتكلمين . قال معنى الْآخِرُ إلى معنى « الباقي » ، وإنما أوثر وصف الْآخِرُ بالذكر لأنه مقتضى البلاغة ليتم الطباق بين الوصفين المتضادين ، وقد علم عند المتكلمين أن البقاء غير مختص باللّه تعالى وأنه لا ينافي الحدوث على خلاف في تعيين الحوادث الباقية ، بخلاف وصف القدم فإنه مختص باللّه تعالى ومتناف مع الحدوث . واعلم أن في قوله : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ دلالة قصر من طريق تعريف جزأي الجملة . فأما قصر الأولية على اللّه تعالى في صفة الوجود فظاهر ، وأما قصر الآخرية عليه في ذلك وهو معنى البقاء ، فإن أريد به البقاء في العالم الدنيوي عرض إشكال المتعارض بما